أقلام و آراء

من الحُجَّاب إلى الظِلال: عودة الحاجب المنصور في ثوب جديد

 

في ظلال البيروقراطية الحكومية المتجذرة، وبروز ظاهرة “وزراء الظل” كأحد أبرز مظاهر النفوذ الخفي الذي يعيق فعالية العمل الحكومي، هؤلاء الظِلاليون، الذين يمارسون سلطتهم من خلف الكواليس، يعيدون إنتاج ظاهرة الحاجب المنصور، الذي أحاط نفسه بالسلطة وتحكم في مسار القرارات السياسية.

ويمثل هذا الاستنساخ الحديث لدور الحاجب المنصور صدمة في وجه تطوير القطاع العام ونهجا لتكريس البيروقراطية، حيث يتولى وزراء الظل زمام الأمور، مما يؤدي إلى خلق بيئة غير صحية داخل المؤسسات الحكومية، فبدلاً من أن يكون الوزير هو الصوت الأصيل الذي يمثل الحكومة، يتعرض لمواجهات بيروقراطية ينتجها وزراء الظل، تعقد الإجراءات وتضع العقبات أمام تنفيذ السياسات الفعالة.

فوزراء الظل غالبًا ما يستخدمون تكتيكات مشابهة لتلك التي كان يمارسها الحاجب المنصور، مثل تقييد وصول المعلومات وتوجيه القرارات بما يخدم مصالحهم الخاصة، بعيدًا عن المصلحة العامة، ليصلوا إلى تقييد قررات الوزراء الشرعيين، مما يرسخ حالة من الفوضى الإدارية، ويعزز من ثقافة الفساد المالي والإداري.

إضافة إلى ذلك، يحاول وزراء الظل ممارسة دور الحاجب من خلال سياسة الباب المغلق، مما يحجب الوزير عن الواقع، ويبعده عن الموظفين والمواطنين، وفي هذا السياق، يتم إحاطته بالغموض وإيهامه بنجاح زائف عبر المعلومات المضللة والمدائح المجانية.

والأمر الأكثر خطورة هو أن هذه الديناميكية تؤدي إلى إحباط المواطنين والموظفين على حد سواء، حيث يشعر الجميع بأن الصوت الحقيقي لا يُسمع، وأن همومهم وشكاواهم لا تصل إلى صانعي القرار، إن الفجوة التي تُخلق بين القمة والقاعدة تمثل أداة فعالة للسيطرة، تمنح وزراء الظل القوة لتحويل المعاملات الحكومية إلى أداة لخدمة مصالحهم الشخصية.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن وزراء الظل قد عادوا ليعيدوا تشكيل المشهد السياسي على نمط الحاجب المنصور، لكن في سياق العصر الحديث، حيث تكنولوجيا المعلومات والتواصل وقوننة المعاملات تُضيف أبعادًا جديدة، إن دورهم يعكس عجزًا عن إعادة الثقة في النظام الإداري، ويجعل من الإصلاحات الفعلية أمرًا شبه مستحيل.

لذا، فإن التحدي يكمن في كيفية استعادة السلطة الحقيقية للوزير، وفتح قنوات الاتصال بين الحكومة والمواطنين، مما يسهم في تجاوز تأثير وزراء الظل، وتحقيق التوازن المطلوب لضمان فعالية الحكم، وتحقيق تنمية حقيقية في المجتمع، إننا بحاجة إلى إعادة بناء هذا النظام من جديد، بعيدًا عن نفوذ الدوائر الخفية التي تعودت على التحكم في مصير المؤسسات الحكومية، فهل عاد الحاجب المنصور يلبس ثوب التكنولوجيا وعمامة القانون؟

 

النائب الدكتور شاهر شطناوي

رئيس لجنة الصحة والغذاء النيابية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى