الجربا يكتب : الشريف الحسين بن علي … ملك الحجاز ، صاحب الرؤية في توحيد بلاد الشام والعراق

بقلم الدكتور : معن بن علي الدويش الجربا
باحث في الشأن العربي والإسلامي
نتكلم هنا عن الشريف الحسين بن علي ملك العرب ، الذي خسر ملكه بسبب دفاعه عن حقوقهم ودفاعه عن القدس وفلسطين ، وقد خاض ملاحم كثيرة بدأت بخيانة الأتراك ثم غدر الإنجليز ثم جحود العرب كما سيتضح خلال هذا المقال
لكن من الجيد أولاً أن نعود بالتاريخ قليلا ، ففي عام 923هـ 1517م أرسل الجد الأكبر للشريف الحسين بن علي (الشريف بركات الثاني) مفاتيح الكعبة المشرفة والروضة المطهرة إلى السلطان العثماني سليم الأول الذي كان يحاول إعادة بناء الإمبراطورية الإسلامية بعد أن ضعفت في أواخر أيام الخلفاء العرب ، فما كان من أجداد الشريف الحسين بن علي إلا ان دعموا تلك الخطوة التي اعتبروها مباركة ، وذلك حرصا منهم على بيضة الإسلام وقوته ، متناسين بذلك مصالحهم الشخصية
من المهم أن تعلم أجيالنا أن العرب سلموا للأتراك وعن طيب خاطر الإمبراطورية التي بناها أجدادهم منذ الرسول الأعظم العربي الهاشمي صلى الله عليه وسلم الى أخر خليفة عربي عام 1517 ميلادية ، بعد قرون طويلة تصل إلى ألف عام من الازدهار والقوة (ولكن كحال أي إمبراطورية بشرية عبر التاريخ فإنها ستصل لمرحلة الشيخوخة بعد الفتوّة والشباب ، وتحتاج الى تجديد الدماء) لذلك فقد سلم العرب إمبراطوريتهم لدماء جديدة ساهم العرب في تكوينها وتعليمها وبنائها ، هذه الدماء كانت الدماء التركية الشابة التي جاءت من أواسط آسيا كقبائل بدائية هربا من هجمات الدول والقبائل المحيطة بهم في تلك المنطقة ، ثم تحضرت هذه القبائل البدائية التركية وتعلمت على أيدي العرب في ظل الإمبراطورية العربية الإسلامية
لقد سلّم العرب مفاتيح الإمبراطورية التي بنوها إلى الأتراك بطريقة سلمية وبصورة لا تخلو من الإيثار والتضحية ، حيث كان الرأي الفقهي السائد في ذلك الوقت هو قول جمهور الفقهاء بأنّ الخلافة في قريش (ولا خلافة إلا في العرب) ، لذلك فلولا أنّ العرب سلموا مفاتيح الخلافة للأتراك عن طيب خاطر لما دانت ولما خضعت لهم الشعوب العربية والشعوب الإسلامية الأخرى بحال من الأحوال، لقد فعل العرب ذلك شعوراً منهم بالمسؤولية تجاه الدين الذي اختارهم الله سبحانه وتعالى لنشره والحفاظ عليه دوناً عن بقيّة الأمم ، وذلك بعد أن شعر العرب وبعد قرون طويلة من القوة والإزدهار أنهم لم يعودوا قادرين على حماية بيضة الدين ، مع العلم أن العرب في ذلك الوقت كانوا قادرين على التحالف مع الجيوش الأوروبية ضدّ (الإمارات التركية الناشئة في الأناضول)، وهذا ما كانت تتمناه الجيوش الأوروبية وتتوق إليه بشدّة
ولكن من المفارقات المضحكة المبكية في الصورة المقابلة سنجد أنّ الأتراك لم يفعلوا ما فعله العرب من أجل حماية الدين عندما ضعفت دولتهم وسُمّيت (بالرجل المريض) في آخر أيام سلاطينهم ، بل سنجد أن الأتراك تحالفوا مع الأوروبييين ضدّ الجيوش العربية (المصرية والشامية والعراقية) في أيام محمد علي باشا ، تلك الجيوش الفتية التي كانت تشكل قوة جبارة قادرة على إعادة قيامة ونهضة الإمبراطورية الإسلامية من جديد بعد ان وصلت إلى مرحلة الشيخوخة ، هنا نجد أنّ الأتراك تحالفوا مع الأوروبيين ضدّ جيوش أمتهم العربية الإسلامية من أجل بقائهم في السلطة فقط ، وهذا ما لم يفعله العرب عندما ضعفت دولتهم كما ذكرنا أعلاه
لقد ظل العرب قرونا عديدة داعمين للدولة العثمانية في اسطنبول، حرصا منهم على قوة الاسلام ، ولكن مع الأسف في أواخر سنوات حكم سلاطين الدولة التركية ، نشأت الحركات القومية التركية العنصرية مثل حركة (الإتحاديين) وحركة (تركيا الفتاة)
يجب أن تعرف أجيالنا أن هذه الحركات القومية العنصرية التركية هي التي كانت تحكم العالم الإسلامي في أواخر أيام السلاطين الاتراك ، وقد كانت هذه الحركات مبهورة بحضارة الغرب بل وكانت تسعى لخلع عباءة الإسلام تدريجيا كما فعل مصطفى كمال أتاتورك الذي ينتمي (للاتحاديين الانقلابيين)
هذه الحركات القومية التركية العنصرية المعادية للإسلام هي التي قررت دخول الحرب العالمية الأولى بالتحالف مع ألمانيا وليس (الخليفة العثماني) ، ولك ان تتصور عزيزي القارئ ماذا سيحدث لو انتصرت الدولة العثمانية التي كانت تحكمها الحركات القومية التركية العنصرية في الحرب العالمية الأولى ، بكل بساطة كانت ستفرض الأحكام المعادية للإسلام في كلّ أقطار العالم الإسلامي وليس في تركيا فقط ، وكانت ستفرض القوانين القومية العنصرية التركية ضد العرب وجميع الشعوب الغير تركية ، كل ذلك أعطى للعرب المبرر الشرعي والأخلاقي للتحالف مع (الإنجليز) ضد تحالف القومية التركية العنصرية مع (ألمانيا) من أجل إحباط مؤامرتهم ضد الإسلام وضد العرب
على أجيالنا أن تعرف بأن الذي خان الخلافة العثمانية هم الأتراك انفسم وليس العرب حيث ان السلاطين العثمانيين فقدوا كثيرا من مكانتهم منذ بداية الفترة الدستورية (قبل خلع السلطان عبد الحميد بقليل) حيث تجرأ عليهم الأتراك انفسهم وبلغ الحال أن يتطاول سفير الدولة العثمانية في الولايات المتحدة الأمريكية على الخليفة العثماني بالسب والشتم على مسمع ومرأى الناس جميعا وأمام الصحافة والإعلام ، ولم يطل عهد السلطان عبد الحميد ، حيث تمكن الاتحاديون من خلعه في أبريل سنة 1909م ، ونصبوا ولي عهده محمد رشاد بن عبد المجيد على العرش ، وكان السلطان الجديد مغلوبًا على أمره بعد أن أحاطوه من كل جانب ، خاصة وأن الاتحاديين بادروا بتطهير القصر وتعيين رجالهم في مناصب رئيسية ، ومنذ ذلك التاريخ أبريل 1909م أصبح الاتحاديون هم سادة الأمور في الدولة ، وساد مبدأ القومية التركية والتسلط التركي ، وبرزت الدعوة إلى إعادة مجد الأتراك على حساب العناصر غير التركية في الدولة وخاصة العرب، وبدأوا التصريح بأن الدولة دولة تركية قومية وليست إسلامية
من هنا علينا أن نعرف بأن الشريف الحسين بن علي لم يحارب الدولة العثمانية الإسلامية إنما حارب الاتحاديين العنصريين الذين انقلبوا على الدولة العثمانية الإسلامية وعلى السلطان عبدالحميد اخر خليفة إسلامي في اسطنبول ، وسيتبن للقارئ أن اسباب عداء الشريف الحسين للإتحاديين كان أربعة اسباب
وسيتبن للقارئ أن أسباب عداء الشريف حسين للإتحاديين كان أربعة اسباب رئيسية هي (عدائهم للإسلام) ، (خلعهم للسطان عبدالحميد) ، (العنصرية التركية ضد العرب) ، (تفريط حكومة الاتحاديين بالاراضي العربية من اجل مصالحهم مع الدول الأوروبية) كما حدث في ليبيا عندما ضعفت حكومة الاتحاديين بعد حرب البلقان فتنازلت عن ليبيا لإيطاليا ، مما أثار مخاوف النخب العربية حول مصير الولايات العربية في مواجهة الأطماع الاستعمارية الأوروبية ومدى قدرة السلطنة العثمانية على حماية ولاياتهم ، وهنا يشرح محمد جمال باروت رئيس دائرة البحوث في المركز العربي ، أن ما حصل بين عامي (1913- 1914) هو أن حكومة الإتحاديين وقعت على اتفاقات مع كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا والمانيا لتوزيع الدولة العثمانية إلى مناطق (نفوذ اقتصادية) لصالح الدول الأوروبية ، وعليه يتبين أن فكرة سايكس بيكو ما هي الا ترجمة عملية للإتفاقية الإقتصادية بين حكومة الإتحاديين في اسطنبول وبين الحكومات الأوروبية قبل الحرب العالمية الأولى
ورغم كل ذلك فقد أظهر الشريف الحسين بن علي إخلاصه للدولة العثمانية، فلم يترد أبدًا في الاستجابة لطلبات الباب العالي في محاربة كل من حاول الانفصال عن الدولة العثمانية، من أجل ذلك قاد الشريف الحسين عدة حملات دبلوماسية وعسكرية منذ سنة 1910 حيث نجح بأخذ وثيقة خطية من الملك عبدالعزيز ال سعود تتضمَّن اعترافه بسيادة الدولة العثمانية
كما استنجدت الدولة العثمانية بالشريف الحسين بن علي في عام 1911 لفك الحصار الذي فرضه الشريف محمد الإدريسي أمير إمارة الأدارسة في منطقة جيزان عن القوات العثمانية بعد أن شقِّ عصا الطاعة واعلن عدم الولاء للسلطان العثماني واعلن انفصال إقليم عسير عن السلطة العثمانية ، ولكن الشريف الحسين نجح بفك الحصار عن القوات العثمانية في أبها ، فنتشرت الأفراح في الدولة العثمانية ، وبعثت بهذه المناسبة كتاب شكر للشريف الحسين ، وأرسل إليه الخليفة العثماني وسام الامتياز المُرصَّع الذي يُعدٌ إعلاءً لمكانة الشريف وإعلانًا لصداقته للدولة العثمانية ، وجرى احتفال كبير في مكّة المكرمة بمناسبة تقلُّد الشريف الحسين هذا الوسام
كذلك استشار العثمانيون الشريف الحسين بشأن الثورة التي قام بها الإمام يحيى في اليمن، فنصحهم الشريف الحسين أنْ يتفقوا مع الإمام يحيى على شروط تكون مقبولة لديه، كي لا يضطروا لمواجهة ثورة أخرى في المستقبل ، وفي الوقت نفسه كتب الشريف الحسين إلى الإمام يحيى باسم الرابطة الإسلامية ورابطة الدم على ضرورة الاتفاق مع الدولة العثمانية ، وقد نجح الشريف الحسين بإنجاز (اتفاقية دعان) بين الدولة العثمانية والإمام يحيى في أغسطس 1911م ، أعترفت فيها الدولة العثمانية برئاسة الإمام يحي على صنعاء والجبل ، وظلَّ الإمام وفيًا لهذه الاتفاقية حتى انتهاء الحرب العالمية الأولى
كذلك لقد أبدى الشريف الحسين بن علي أقصى مظاهر حسن النية للدولة العثمانية على أمل ان يتراجع الإتحاديون عن سياسية العنصرية ضد الإسلام وضد العرب، حيث استطاع الشريف الحسين اقناع الحركات القومية العربية في العراق وسوريا ولبنان والتي كانت تطالب بالانفصال عن الدولة العثمانية بالقبول بحكم ذاتي ضمن شروط تحفظ حقوق العرب، وذلك كما ظهر في وثيقة مؤتمر باريس عام ١٩١٣ الذي اقامته الجالية العربية المثقفة هناك والتي نصت على التالي :-
أوّلاً : على الدولة العثمانية إجراء إصلاحات سريعة وحقيقية
ثانيًا : على الدولة العثمانية أن تضمن حقوق العرب السياسية
ثالثًا : على الدولة العثمانية أن تسمح بتأسيس حكم ذاتي في الولايات العربية مع ضمان ان يكون الولاء فيها للسلطان العثماني
رابعًا : على الدولة العثمانية اعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في الولايات العربية
خامسًا : على الدولة العثمانية جعل الخدمة العسكريـة محلية بحيث يقضى العرب خدمتهم العسكرية في ولاياتهم العربية وذلك بسبب خوفهم ان يفرط الاتحاديون بأراضيهم العربية لصالح الدول الأوروبية كما حصل مع ليبيا
في البداية أصدر السلطان محمد رشاد فرمانا بقبول الشروط العربية الناتجه عن المؤتمر ، ولكن ما لبث الاتحاديون الا أن انقلبوا على هذا الاتفاق وهددوا العرب بالويل والثبور وعظائم الأمور ، وأرسلوا جمال باشا السفاح للانتقام من القوميين العرب شر انتقام
ومن هنا سأت العلاقات مرة أخرى بين الشريف الحسين بن علي وبين الاتحاديين ، خصوصا بعد أن أعلنوا دخولهم بالحرب العالمية الأولى مع ألمانيا ، فأسرع الشريف الحسين بإرسال برقية للسلطان محمد رشاد قال فيها (تعلمون جلالتكم أن الحرب البلقانية قد انتهت على ما انتهت عليه، وأن الدولة الآن في حاجة إلى تجهيزات واستكمالات حربية لم تتم إلى الآن وأن في الدخول إلى جانب ألمانيا الخطر العظيم ، وأن إمكانيات الدولة العثمانية لا تكفي إمداد الجيوش بالعتاد اللازم ، ولا تستطيع إمداد الجيوش بالمدافع وأنواع الأسلحة الأخرى، عدا هذا فإن الأقطار المترامية الأطراف إلى الجنوب من جسم الدولة كالبصرة واليمن والحجاز محاطة من كل ناحية بقوات بحرية من الدول المعادية الأوروبية ، وأهل هذه البلاد العربية ليسوا منظمين ولا مسلحين بالشكل الذي يستطيعون معه مقابلة جيوش أوروبا المنظمة
وأنني استحلف جلالتكم بالله أن لا تدخلوا الحرب ، واني لأعتقد ان كل من أشار عليكم بالدخول بهذه الحرب اما جاهلا او خائنا) ، ولكن مع الأسف لم يستطع السلطان العثماني لجم الاتحاديين عن قرارهم في دخول الحرب العالمية الأولى والتي ليس للأمة الإسلامية فيها مصلحة ولا ناقة أو جمل (حيث أن من مصلحة المسلمين ان يتركوا أعدائهم يتقاتلون بينهم) ، ومن هذه اللحظة قرر العرب بقيادة الشريف حسين دخول الحرب مع الإنجليز ضد الاتحاديين وألمانيا، لعلمهم أن فوز الاتحاديين العنصريين في الحرب العالمية يعني ضياع الاسلام ودمار العرب.
انتصر الشريف الحسين بن علي وحرر البلاد العربية من الاتحاديين والحركات القومية التركية العنصرية التي كانت تحكم الدولة العثمانية ، ولكنه ما لبث الا قليلا حتى اكتشف غدر الإنجليز ، وما كان لهذا الغدر ان يؤتي ثماره لولا انه لقي اذانا صاغية من بعض العرب ، حيث ان الشريف حسين رفض رفضا باتا القبول باتفاقية سايكس بيكو التي نصت على تقسيم البلاد العربية بينما قبل بها بعض العرب مع الأسف ، هنا بدأ التوتر بين الشريف حسين وبين الحلفاء الإنجليز ، وبلغ هذا التوتر أقصاه عندما رفض الحسين بن علي وعد بلفور وبيع فلسطين، وهنا كان الفراق النهائي بين حلفاء الماضي حيث قرر الإنجليز بأن الشريف الحسين أصبح عقبة كبرى أمامهم ولابد من التخلص منه ولابد أن يفقد ملكه ، وهذا ما حدث
أما أبناءه الملوك فقد قرروا الإنحاء للعاصفة ولو الى حين ، حتى يستعيدوا قوتهم بعد ان اكتشفوا جحود العرب لهم ، وبدؤا باتباع سياسة (خذ ثم طالب الى ان تحقق كل أهدافك) ، وسنحاول ان نوضح في مقال لاحق كيف تخلصت القوى العظمى من عدد منهم عندما اكتشفوا خطتهم لاستعادة حق العرب والمسلمين الذي بدؤا الثورة من أجله