الصراعات المجدولة في هذا التوقيت

ماهر أبو طير

لا يمكن لكل القراءات التحليلية أن تحصر أزمة غزة وتداعياتها داخل القطاع فقط، وعلى ما يبدو أن غزة عنصر إشعال لكل المنطقة، برغم كل محاولات إطفاء هذا السيناريو.

في الأساس هناك مواجهة إيرانية إسرائيلية عبر جبهات سورية، لبنان، اليمن، العراق، وإيران مؤخرا بشكل مباشر، ومع هذا مواجهة إسرائيلية مع تنظيمات فلسطينية داخل قطاع غزة والضفة الغربية، ومواجهة إسرائيلية مع الفلسطينيين كشعب بمعزل عن التنظيمات، ومواجهة بين قوى إقليمية في المنطقة وتحديدا تركيا وإيران، وعلاقة ذلك بإسرائيل، ومع كل هذا أرضيات تصعيد نارية كامنة بين الأميركيين والروس في المنطقة، بما يؤسس في المجمل إلى تحويل قطاع غزة إلى منصة إشعال اقليمي ودولي، لمنطقة غارقة بالغاز القابل للاشتعال أيضا.

هذا يعني أن غزة قد تكون بوابة الدخول إلى التسويات السياسية أو العسكرية في كل المنطقة، هذا على الرغم من الاقرار هنا، ان ملف غزة له مواصفاته الخاصة التي ترتبط بما فيه، والتخطيط الإستراتيجي المتعلق بالقطاع، لكن ما نراه حاليا يقول إن التخطيط الإسرائيلي قد لا يتطابق تماما، مع الواقع ونتائج هذا الواقع، خصوصا، ان لكل الأطراف حساباتها، التي ستوظف عبرها أزمة غزة، لتصفية حسابات قديمة، أو وضع ملامحها على الخرائط الجديدة.

خذوا مثلا الروس، وهؤلاء بعد فخ أوكرانيا الذي تديره الولايات المتحدة ودول غربية، تجد في ملف قطاع غزة، فخا موازيا للفخ الذي وقعت فيه، بحيث تريد أن يتحول قطاع غزة إلى منصة استنزاف للولايات المتحدة ومن يتحالف معها، وتجد أيضا في تداخلات الملف الإيراني عبر طهران مباشرة، وعبر وكلاء طهران في المنطقة ضغطا مباشرا على الولايات المتحدة ومن معها، وهو أمر يلتقي بالمحصلة مع تطلعات الصين، ورغبتها بالتخلص من الهيمنة الغربية، في سياقات المكاسرة حول النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري في جغرافيا الصراع الآن.

هذا يعني بشكل مباشر أننا لسنا أمام مشهد محلي في قطاع غزة، أو الضفة الغربية، نحن أمام بوابة لحسم الصراعات في كل المنطقة، وتسويتها سياسيا أو عسكريا، ولان واشنطن تدرك هذا الأمر جيدا، وتعي خطورته وكلفته تحاول ضبط إيقاع الفوضى في المنطقة، ضمن حدود معينة، لانها لا تريد الانجرار إلى المواجهة المفتوحة، وترى في جدولة الصراعات وتقسيطها وعزل مساراتها عن بعضها البعض، إدامة لقوتها، ولمصالحها في المنطقة والعالم.

قضية فلسطين قضية تحرر وطني، وشهدت في مراحل مختلفة توظيفا واستثمارا من أطراف متعددة، لكن هذه أكثر فترة منذ 100 عام تتكثف فيها كل الصراعات المجدولة، تحت عنوان غزة، وهذا يفسر أن المشهد الإقليمي بدأ يخرج عن قواعد صراع القوى المحلية والإقليمية والدولية، بما يؤشر على أن القدرة على السيطرة على تداعيات المشهد تتراجع يوما بعد يوم، وليس أدل على ذلك من أن واشنطن تحاول بكل الطرق ضبط ردود الفعل الإيرانية والإسرائيلية ضمن سقوف معينة، إدراكا منها أن ما وراء عنوان غزة في الأساس، صراع إقليمي دولي يكاد ينفجر في وجوه الجميع بلا استثناء، وكأن قدر غزة أن تأخذ كل المنطقة إلى سيناريو غير متوقع.

يقال كل هذا الكلام لاولئك الذين يظنون أننا أمام مجرد حرب محدودة بين الفلسطينيين في قطاع غزة، وإسرائيل، وإذا كان هذا هو العنوان السطحي فإن خط التصعيد يقول شيئا ثانيا، وكل المؤشرات تقول على أن المنطقة تذهب إلى الحافة، بعد أن تجمعت فواتير الصراعات على ظهرها المثقل، في منطقة مؤهلة أصلا لقيادة عمليات الهدم في العالم، أو تأسيس بنيته.

الغد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى