
عوض ضيف الله الملاحمة
أمور وأحداث كثيرة تحدث يومياً ، وتمر على الإنسان مرور الكرام كما يقال . لا نعبأ بكثير مما نقرأ او نشاهد او نسمع . والسبب ان للإنسان طاقة استيعابية محدودة خاصة في هذا الزمان التي تتدفق فيه المعلومات عبر وسائل التواصل الإجتماعي وكأنها نهر عظيم جارف . وعليه لا يقوى الإنسان على متابعة كل شيء ، ويركز على ما يهمه في محيطه ، وبيئته ، ووطنه الصغير والكبير .
لكن بعض الأمور رغم البعد عن التفكير والإهتمام فيها ، ولا تلقي لها بالاً ، إلا أنها تفرض نفسها عليك ، رغم إنشغالك الشديد بما هو أهم وأخطر .
وهذا ما فعله الملك البريطاني تشارلز . حيث لفت إنتباهي إهتمام وسائل التواصل الإجتماعي تمرير خبر بين الفينة والأخرى عن إهتمام الملك تشارلز بالإسلام . ففرض ذلك نفسه على تفكيري واهتمامي . وتساءلت : هل هذا الاهتمام عابر ؟ أم طبيعي ؟ مع ان تفاصيله وتكرار الأحداث ربما لا يوحي بذلك . ثم قلت : هل إنفتاحه ، ورُقيّه الفكري قاده للإنفتاح على الديانات الأخرى ؟ ثم قلت بدعابة مع نفسي : هل طول إنتظاره لأن يصبح ملكاً أدى به الى بعض الشطط في تعاملاته ، فيذهب الى بعض الإهتمامات السلوكيات الغريبة او غير المألوفة في مجتمعه ليحقق الظهور ؟
في رمضان هذا العام ظهر الملك تشارلز في ثلاثة أحداث هامه لفتت الإنتباه هي :— أولها : — في بداية شهر رمضان المبارك ظهر الملك تشارلز وزوجته وهما يقومان بتعبئة أكياس صغيرة بالتمر لتوزيعها على بعض المسلمين في بريطانيا .
وثانيها :— دعوته ل ( ٣٥٠ ) شخصية من الشخصيات الدينية والثقافية ، من المسلمين البريطانيين على إفطار جماعي حافل في قصر وندسور الملكي البريطاني ، ورفع الأذان فيه ، في حدث غير مسبوق ، يحدث لأول مرة في تاريخ القصر الممتد لألف عام . وهذا القصر يستخدم عادة لإستقبال رؤساء الدول ، وهو معقل العائلة الملكية البريطانية .
وثالثها : — ظهور الملك تشارلز وهو يرتدي ثوباً عربياً ( دشداشة بيضاء ) في أحد المساجد ، وأضاف الخبر انه صلى صلاة التراويح مع عمدة لندن المسلم ، وعمدة برمنغهام المسلم ، وعمدة ليدز المسلم ، وعمدة اكسفورد المسلم ، وعمدة لوتون المسلم ، وعمدة اولدهام المسلم ، وعمدة روتشديل المسلم ، أي ( ٧ ) مسلمين يشغلون منصب عمدة في بريطانيا .
من المعروف ان الملك تشارلز درس الدراسات الشرقية والعربية والإسلامية . لكن الأحداث الثلاثة المذكورة اعلاه ربما تشي بشيء ما عن علاقة الملك تشارلز بالإسلام .
كما أرى انه من الضروري ان أُذكر القُراء الكرام ، بذهاب والدته الملكة اليزابيث الى أحد المساجد في لندن وهي محتشمة اللباس ، وأنصتت بخشوع ، وتركيز ، واهتمام ، واحترام لتلاوة من القرآن الكريم .
من المعروف ان للملك تشارلز اهتمام كبير بالفنون والثقافة الإسلامية ، حيث درس التاريخ ، وعلم الآثار ، وعلم الإجتماع ( الأنثروبولوجيا ) في جامعة كامبريدج . كما أمضى وقتاً في تعلم اللغة العربية ، وقام بالعديد من الجولات في المواقع الدينية القديمة . ورغم كونه مسيحياً ، فقد جعل الملك تشارلز الوصول الى المجتمع الإسلامي حجر الزاوية في خدمته العامة ، حيث يخدم أيضاً بصفته راعياً لمركز اكسفورد للدراسات الإسلامية . كما انه عندما كان ولياً للعهد القى العديد من الكلمات والمحاضرات في مواضيع دينية وتاريخية تتعلق بالإسلام والمسلمين . كما انه كشف ذات مرة بانه تعلم العربية من أجل فهم القرآن بشكل أفضل . وعلى مر العقود دافع الملك تشارلز عن البيئة وتغير المناخ وكان يستشهد أحياناً بالدين الإسلامي حول هذا الموضوع . وقيل ان حديقة الملك تشارلز في قصره في جلوسيستر شاير مستوحاة من التقاليد الإسلامية. وفي عام ٢٠٠٦ عندما زار الملك تشارلز جامعة الأزهر في القاهرة إنتقد الرسوم الكاريكاتورية الدنماركية التي سَخِرت من النبي محمد عليه الصلاة والسلام .
كما أرى انه لابد من ذكر ما سبق للملك تشارلز ان قاله في وصفه للإسلام حيث قال : ( ان الإسلام يمتلك واحدة من أعظم خزائن الحكمة المتراكمة والمعرفة الروحية المتاحة للبشرية ) . يضاف الى ذلك ان الملك تشارلز أظهر الكثير من التعاطف مع المسلمين في المواقف السياسية الصعبة داخل اوروبا وخارجها . فهو يتعاطف مع الفلسطينيين القابعين تحت نير الإحتلال الإسرائيلي . كما انه يعارض التضييق على المسلمات بخصوص ما يرتدينه بمختلف البلدان الأوروبية . وقد سبق لصحيفة تايم البريطانية ان نشرت مقالاً عن ما تفسير علاقة الملك تشارلز بالإسلام ، ولماذا إعجابه المثير بهذا الدين .
يبدو لي ان دراسة الملك تشارلز وتخصصه في الدراسات الإسلامية ، أدى لتبحره ، وإهتمامه في كل ما يتعلق بالإسلام ، وهذا التعمق يبدو انه أدى لتأثره بتعاليم الإسلام وعباداته وروحانيته . واعتقد ان هذا شيء طبيعي حيث تصطبغ شخصية الإنسان ويتأثر بتخصصه عامة ، فكيف اذا كان هناك جانباً روحانياً يدعو للسكينة وهدوء النفس والراحة والبعد عن صخب الحياة .