
الأردن .. والصين .. والإحتفاء .. الرصين .. الرزين
عوض ضيف الله الملاحمة
كُتِب على الأردن العظيم التبعية سواء إختياراً او إجباراً ، او سعياً لملاذ آمن ، وظهر يتكيء عليه . فمن الإستعمار التركي البغيض ، الى الإستعمار البريطاني الكريه ، الى التبعية والدوران في فلك أمريكا الفاجرة ، المتغطرسة ، المتجبرة .
كان بإمكان الأردن ان يبتعد عن التبعية للغير ، وان ينحو منحى إستقلالياً محايداً ، بحيث ينأى بنفسه بعيداً عن التكتلات ، والصراعات ، والإستقطاب ، والتبعية .
هناك نماذج عديدة لدول إتبعت نهج الحياد ، والإبتعاد عن الإستقطاب ، والإنجرار للتكتلات ، والصراعات والحروب . ومن هذه الدول : سويسرا / والنمسا / وأيرلندا / وفنلندا / والسويد / وتركمانستان .
والنموذج الأكثر شيوعاً يتمثل في سويسرا . وتعتمد التجربة السويسرية في الحياد وعدم الإنحياز ، وعدم التبعية على قاعدة (( الحياد المسلح )) ، والدفاع الذاتي القوي المعتمد على التضاريس الوعرة وجيش الميليشيا منذ أكثر من ( ٥٠٠ ) عام . حيث بدأت الفكرة بعد هزيمة عسكرية قاسية لسويسرا عام ١٥١٥م .
الإحتفالات السخية ، والإحتفاء المهيب الذي تجاوز كل حدود التوقعات ، أثناء زيارة جلالة الملك للصين . هي أكثر من زيارة دولة ، وأكثر من البحث عن فرص إستثمار . إنها تشي بتعميق العلاقة لتصل الى نوعٍ من التحالف ، وفق رؤية مستقبلية لمستقبل الصين واحتلالها مركزاً ينافس على الصدارة بين الأمم الذي سيسفر عن تعدد الأقطاب بعد خفوت سطوة القطب الواحد الذي عَرّته وكشفته إيران . إيران في حربها مع الأمريكان وصلت حد الندّية في بعض مراحل هذه الحرب . ومما لا شك فيه ان حرب أمريكا على ايران أضعفتها ، وكسرت شوكتها ، وهيبتها ، وحدَّت من غطرستها ، وتفردها .
إحتفت ، وإحتفلت الصين بجلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين ، إحتفاءاً متفرداً ، يعبِّر عن التقدير ، والإحترام المتميز لشخص جلالته ، وللشعب الأردني ، وللأردن كوطن . ومما يضيف لمشهد الإحتفاء المهيب هيبة ، ان الزيارة تمت بدعوة من الرئيس الصيني / شي جينبينغ . وهي زيارة دولة رسمية شملت العاصمة بكين ، وعدداً من المدن الصناعية والإقتصادية مثل شنغهاي وشنجن . وإمتدت الزيارة الى ( ٧ ) أيام ، من ١٨–٢٤ . وعقد جلالة الملك مباحثات موسعة مع الرئيس الصيني ، ورئيس مجلس الدولة الصيني ، لتعزيز ( الشراكة الإستراتيجية ) . وتم توقيع عدة إتفاقيات ومذكرات تفاهم لزيادة التعاون الإقتصادي . ووجه جلالة الملك دعوة للرئيس الصيني لزيارة الأردن .
الصين تختلف تماماً عن غيرها من الدول الصناعية الكبرى . فالصين ليس في قاموسها إحتلال او سيطرة على دول ، بتاتاً . الصين تتصرف كما التاجر الشاطر . الصين تبحث عن أسواق لمنتجاتها الضخمة ، الهائلة ، المتعددة ، التي تلبي أصغر إحتياجات المستهلكين . الصين أربكت كافة الدول الإقتصادية الكبرى .
الناتج الإجمالي القومي الأمريكي لعام ٢٠٢٥ بلغ حوالي ( ٣٠ ) تريليون دولار . والناتج الإجمالي القومي الصيني لعام ٢٠٢٥ بلغ ( ٢٠ ) تريليون دولار . وتوقعت أوساط إقتصادية عالمية ان تتفوق وتتساوى الصين مع أمريكا في حدود عام ٢٠٢٨ ، لكن تباطؤ الإقتصاد الصيني ، وأزمة القطاع العقاري ، والسياسات الأمريكية المضادة أدت إلى تأخير هذه التوقعات . بينما تفوقت الصين ونجحت في تجاوز الإقتصاد الأمريكي من حيث تعادل القوة الشرائية ( PPP ) ( Purchasing Power parity ) ، منذ عام ٢٠١٤ . ويقيس هذا المؤشر تكلفة المعيشة والأسعار المحلية الفعلية داخل كل دولة .
الصين هي التنين المرعب القادم بكل ثقة وإقتدار لينافس على إحتلال المرتبة الأولى ، بعد ان تمكن من إحتلال المرتبة الثانية على مستوى العالم .
الصين إخترقت دول افريقيا إقتصادياً ، حيث تقوم الصين بتمويل ، وتنفيذ ، وإدارة مشاريع البنية التحتية المتهالكة المتخلفة في العديد من دول افريقيا . ولا تتدخل الصين في الشأن السياسي او السيادي او الوطني لتلك الدول بتاتاً . الصين لا تخطط ، ولا تهدف الى إحتلال دول والسيطرة عليها بالعسكر ، ولا تتدخل مطلقاً في شؤونها الداخلية ، ولا تفرض شروطاً ، ولا تبعية ولا غير ذلك . الصين تمول وتنفذ وتدير مشاريع اقتصادية خدمية لسنوات متفق عليها تحددها فترة إسترداد كلفة تمويل المشاريع ( Pay Back Period ) أي فترة الإسترداد التي يحتاج اليها اي مشروع لكي يسترجع تكلفته الأولية بالكامل ، وبعدها يتم تسليم المشروع للدولة ، وتغادر الجهة الصينية المنفذة وتعود الى بلادها الصين .
ونحن غرقنا مع البنك الدولي ، وصندوق النقد الدولي وغيرها ، فأضاعونا ، وأنهكونا .
الصين مثل التاجر الشاطر ، لا تبحث عن سيطرة ، ولا تبعية ، ولا تُحرك جيوشاً ، ولا تهدد بقوة عسكرية . الإحتلال والسيطرة العسكرية والسياسية ليست في قاموس الصين بتاتاً . الصين تبحث عن أسواق لإستهلاك الكم الهائل والمتنوع من منتجاتها التي غزت كل بلدان العالم حتى الصناعية المتقدمة منها .
الصين تتودد ، وترحب بالتعامل معها . الصين تعمل على نشر لغتها حتى تسهِّل عملية التواصل والتعامل التجاري والإقتصادي ، وها هي اللغة الصينية تنتشر بين شباب اليوم إنتشاراً واسعاً وكبيراً .
إرتمينا في أحضان الأمريكان ، ولم نحصد الا الخُسران . التعامل مع أمريكا يشبه التقرب من الأخطبوط ، يلتف عليك بعشرات الأذرع حتى يخنقك او يكاد . أمريكا تحسب على حلفائها الأكسجين ، ولا يوجد في قاموسها التعامل بندّية وإستقلالية وإحترام . أمريكا تحاصر حلفائها ، وتسيطر عليهم وترهبهم وترعبهم عسكرياً . لا إستقلال لأوطان حلفاء الأمريكان ، ولا سيادة ، ولا حتى كرامة .
رغم صعوبة الفكاك من مخالب الأمريكان ، إلا أنه آن الأوان للأردن لينوع تحالفاته تمهيداً لتغييرها مستقبلاً . وهناك نماذج من دول العالم يمكن الإقتداء بها ، وإقتفاء نهجها ، وإقتباس المناسب منه . لدينا تجربة أردوغان التركية ، الذي كان يتنقل ويتقلب ويلعب على الحبلين في علاقاته بين الأمريكان والروس . فبالرغم من ان تركيا حليفاً للغرب ، وعضواً مهماً وفاعلاً في حلف شمال الأطلسي ( الناتو ) ، ولديها أكبر قاعدة وهي قاعدة أنجرليك الجوية ، الا انه إشترى الصواريخ الروسية ( S – 400) ، كما قام
باستيراد الغاز الروسي وأعاد تصديره الى اوروبا بعد إنقطاعه بسبب الحرب الروسية الأوكرانية .
شكراً للصين على حفاوة الإستقبال الذي جعلها زيارة رصينة ورزينة ، وتعكس ترحيب الصين بنا إذا ما تمكّنا من ان نتجه شرقاً ، بعد قرنٍ من الزمان وليّنا وجهنا فيه غرباً ، ولم نرى إلّا نعيق الغراب ، وضياع الهيبة ، والكرامة وإنتقاص الإستقلال والسيادة .
علينا ان نتحرر من التبعية للغرب ، وان نتوجه للتعامل الندي مع الصين ، لإستعادة إستقلالنا ، وسيادتنا ، وإستقرارنا ، وكرامتنا .
