
أمام وزارة التعليم العالي: اقتصاد الجامعات الرسمية الأردنية: هل يأتي دخل الموازي على حساب العدالة الاجتماعية؟
بقلم أ.د. عاطف البواب
تواجه الجامعات الرسمية الأردنية معادلة صعبة بين حاجتها إلى تعزيز مواردها المالية في الجانب الاقتصادي وبين مسؤوليتها في تحقيق العدالة وتكافؤ الفرص بين الطلبة في الجانب الاجتماعي. ويبرز برنامج الموازي بوصفه أحد مصادر الدخل المهمة للجامعات، إذ يدفع طلبته رسوماً أعلى من طلبة البرنامج العادي، الأمر الذي يوفر للجامعات إيرادات إضافية تساعدها في مواجهة ارتفاع كلف التعليم والتشغيل. لكن السؤال الأهم هو: هل يجب أن يكون تعزيز الإيرادات على حساب فرص الطلبة المتفوقين؟
تزداد أهمية هذا السؤال عند النظر إلى تخصصي الطب البشري وطب الأسنان، حيث المقاعد محدودة والطاقة الاستيعابية مقيدة بشكل واضح. ففي العام الجامعي 2024-2025 قرر مجلس التعليم العالي قبول 800 طالب في الطب البشري في جميع الجامعات الرسمية، كما قرر تخفيض العدد المقرر لطب الأسنان بنسبة 20%، بعد أن كان العدد المحدد سابقاً 300 مقعد، أي أن العدد أصبح 240 مقعداً.
وبحسب سياسة القبول، تستطيع الجامعات الرسمية قبول طلبة أردنيين في البرنامج الموازي بنسبة لا تتجاوز 30% من عدد المقبولين في البرنامج العادي في كل تخصص. وبناءً على الحد الأعلى المسموح به، فإن 800 مقعد تنافسي في الطب يمكن أن يقابلها ما يصل إلى 240 مقعداً للموازي، ليصبح مجموع المقبولين المحتمل 1040 طالباً، وتكون حصة التنافس نحو 76.9% من الإجمالي مقابل 23.1% للموازي. أما طب الأسنان، فإذا اعتمدنا 240 مقعداً للبرنامج العادي، فإن الحد الأعلى للموازي يبلغ 72 مقعداً، ليصبح الإجمالي 312 طالباً، وتبلغ حصة التنافس أيضاً نحو 76.9% مقابل 23.1% للموازي. وهذه أرقام مبنية على السقف التنظيمي البالغ 30%، وليس بالضرورة أنها تمثل العدد الفعلي الذي التحق بالموازي.
وهنا تكمن القضية: الطالب الذي يحصل على معدل مرتفع جداً في الثانوية العامة قد يجد نفسه خارج المنافسة على مقعد الطب بسبب محدودية المقاعد، بينما يستطيع طالب آخر الالتحاق بالتخصص نفسه من خلال الموازي إذا توافرت لديه القدرة المالية أو جهة تتحمل نفقات دراسته. ومن منظور اجتماعي، فإن هذا يثير سؤالاً مشروعاً حول مفهوم العدالة في توزيع المقاعد الجامعية، خصوصاً عندما يكون التخصص نادراً ومحدود الطاقة الاستيعابية.
وفي المقابل، لا يمكن تجاهل الجانب الاقتصادي. فالجامعات الرسمية تحتاج إلى موارد إضافية، والدولة لا تستطيع دائماً تغطية جميع احتياجاتها المالية. كما أن وزارة التعليم العالي أقرت للعام 2024-2025 قبول 38,260 طالباً وطالبة في البرنامج العادي للبكالوريوس، مع التأكيد على الالتزام بالطاقة الاستيعابية، والسماح بالموازي ضمن النسب المحددة.
لذلك، فإن الحل برأيي لا يتمثل في إلغاء الموازي، وإنما في إعادة توجيهه. يمكن إبقاء الموازي في معظم التخصصات التي تتوافر فيها طاقات استيعابية كافية، مع تشديد القيود عليه في الطب وطب الأسنان، وربما إلغاؤه للطلبة الأردنيين في هذين التخصصين أو حصره بنسبة منخفضة جداً. كما يمكن توجيه جزء أكبر من طلبة الموازي إلى التخصصات التي تستطيع الجامعات زيادة أعداد المقبولين فيها دون الإضرار بحقوق المتفوقين.
فالجامعة الرسمية ليست مؤسسة تجارية فقط، ومهمتها لا تقتصر على تحقيق الإيرادات؛ بل هي أيضاً أداة للعدالة الاجتماعية والاستثمار في الطلبة الأكثر تفوقاً. زيادة دخل الجامعات مطلوبة، لكن يجب ألا تتحول القدرة المالية إلى معيار يتقدم على التفوق الأكاديمي، خصوصاً في تخصصات محدودة المقاعد كالطب وطب الأسنان.
