
لو صدقت نصف الوعود.. أين ذهبت برامج مكافحة الفقر والبطالة؟
كتب صهيب التل / المستشار الإعلامي لمجموعة اَفاق لتنظيم المؤتمرات والمعارض
إربد – على مدى سنوات، تعاقبت في الأردن البرامج والمبادرات والمشروعات الهادفة إلى الحد من الفقر والبطالة، وتمكين الشباب، ودعم الريادة والمشروعات الصغيرة، وتأهيل الباحثين عن العمل، وسط وعود متكررة بإحداث تغيير ملموس في الواقع الاقتصادي والاجتماعي.
إلا أن استمرار معدلات الفقر والبطالة، وتزايد الضغوط الاقتصادية والمعيشية على شرائح واسعة من المواطنين، يفتح الباب أمام سؤال مشروع: ماذا تحقق فعليًا من كل تلك البرامج والمبادرات؟
فلو تحقق نصف ما أُعلن عنه، ونُفذت نصف الوعود التي رافقت برامج التدريب والتشغيل والتمكين والريادة في السنوات الماضية، لكان من المفترض أن يكون الاقتصاد الأردني اليوم أمام مؤشرات أكثر إيجابية، وأن تكون فرص العمل أوسع، ومعدلات الفقر أقل، وقدرة الأسر على مواجهة أعباء الحياة أفضل.
برامج كثيرة.. ونتائج تحتاج إلى إجابة
لم تكن المشكلة يومًا في نقص الأفكار أو غياب المبادرات، فقد شهدت السنوات الماضية إطلاق العديد من البرامج التي استهدفت فئات مختلفة من المجتمع، ولا سيما الشباب والنساء والباحثين عن العمل وأصحاب المشاريع الصغيرة.
لكن كثرة البرامج لا تعني بالضرورة نجاحها.
فالاختبار الحقيقي لأي برنامج لمكافحة الفقر والبطالة لا يجب أن يكون بعدد الدورات التدريبية التي عقدت، أو بعدد المستفيدين الذين حصلوا على شهادات، وإنما بما أحدثه البرنامج من تغيير حقيقي في حياة المستفيدين.
ويبقى السؤال الأهم: كم شخصًا حصل على وظيفة بعد التدريب؟ وكم مشروعًا استمر بعد انتهاء الدعم؟ وكم فرصة عمل دائمة تم توفيرها؟
التدريب.. شهادة أم فرصة عمل؟
تُعد برامج التدريب والتأهيل من أكثر الأدوات استخدامًا في مواجهة البطالة، إلا أن الفجوة بين التدريب وسوق العمل ما تزال من أبرز التحديات.
فالحصول على شهادة تدريبية لا يعني بالضرورة الحصول على وظيفة.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى ربط برامج التدريب باحتياجات سوق العمل الفعلية، بحيث يحصل الشاب على مهارة يحتاجها القطاع الخاص، وليس مجرد دورة تنتهي بشهادة تعلق على الحائط.
ويقول مختصون في سوق العمل إن نجاح التدريب يجب أن يقاس بما يحدث بعد انتهاء البرنامج، وليس بعدد ساعات التدريب أو أعداد المشاركين فيه.
الريادة.. بين الطموح والواقع
احتلت الريادة مساحة واسعة في البرامج الاقتصادية خلال السنوات الماضية، كونها إحدى الوسائل القادرة على خلق فرص عمل جديدة وتقليل اعتماد الشباب على الوظائف التقليدية.
إلا أن تأسيس مشروع صغير لا ينتهي بمجرد الحصول على تمويل أو المشاركة في برنامج ريادي.
فالمشروع يحتاج إلى سوق، وتمويل مستدام، وإجراءات مبسطة، وخدمات استشارية وتسويقية، وقدرة على مواجهة المنافسة وتكاليف التشغيل.
ولهذا فإن السؤال لا ينبغي أن يكون: كم مشروعًا تم تمويله؟ بل: كم مشروعًا بقي قائمًا ونجح في النمو وتوفير فرص عمل؟
الفقر.. المساعدات ليست الحل الوحيد
ويرى مراقبون أن معالجة الفقر لا يمكن أن تعتمد بصورة رئيسية على المساعدات، مهما كانت أهميتها للفئات الأكثر حاجة.
فالمساعدة قد تخفف من آثار الفقر، لكنها لا تعالج أسبابه.
أما الحل المستدام فيرتبط بخلق فرص العمل، وتحسين الدخول، ورفع الإنتاجية، ودعم المشاريع المنتجة، وتوفير بيئة اقتصادية قادرة على استيعاب الداخلين الجدد إلى سوق العمل.
ومن هنا فإن مكافحة الفقر يجب أن تتحول من سياسة تعتمد على معالجة النتائج إلى سياسة تستهدف الأسباب والجذور.
المواطن يريد نتائج ملموسة
المواطن الذي يواجه أعباء المعيشة لا يعنيه كثيرًا عدد البرامج التي أطلقت، بقدر ما تعنيه النتيجة التي انعكست على حياته.
هو يريد وظيفة لابنه، ومصدر دخل مستقرًا، ومشروعًا يستطيع الاستمرار فيه، وقدرة شرائية أفضل، ومستقبلًا أكثر أمنًا.
ولهذا فإن تقييم البرامج الاقتصادية والاجتماعية يجب أن ينتقل من لغة الأرقام المتعلقة بعدد المستفيدين إلى أرقام أكثر أهمية، مثل عدد الوظائف المستدامة التي تم خلقها، وعدد المشاريع التي استمرت، وحجم الزيادة في دخول الأسر المستفيدة.
أين تكمن المشكلة؟
لا يبدو أن المشكلة تكمن في غياب الخطط أو نقص المبادرات، وإنما في التنفيذ والاستمرارية والتقييم والتنسيق بين الجهات المختلفة.
فقد تتكرر البرامج بأسماء مختلفة، وتتداخل الأدوار بين المؤسسات، فيما لا يحصل المواطن على صورة واضحة عن نتائج تلك البرامج ومخرجاتها.
كما أن غياب التقييم المستقل والشفاف يجعل من الصعب معرفة البرامج التي نجحت وتستحق التوسع، وتلك التي لم تحقق أهدافها وتجب إعادة النظر فيها.
الحاجة إلى مراجعة شاملة
ويرى مراقبون أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مراجعة شاملة لكل برامج مكافحة الفقر والبطالة والتمكين والريادة التي نُفذت في السنوات الماضية.
وتبدأ المراجعة من سؤال بسيط لكنه مهم: ماذا حققنا؟
ثم تأتي الأسئلة الأخرى:
كم بلغت كلفة كل برنامج؟
كم بلغ عدد المستفيدين؟
كم شخصًا حصل على عمل بعد انتهاء البرنامج؟
كم مشروعًا استمر؟
كم فرصة عمل دائمة نتجت عنه؟
وكم أسرة تمكنت من تحسين دخلها والخروج من دائرة الفقر؟
هذه الأسئلة من شأنها أن تحول تقييم البرامج من عملية إدارية إلى عملية قائمة على النتائج.
المطلوب.. اقتصاد النتائج
المطلوب اليوم ليس إطلاق المزيد من المبادرات لمجرد تسجيل مبادرات جديدة، وإنما تطوير ما هو قائم، ووقف البرامج التي لم تثبت فاعليتها، وتوجيه الموارد إلى البرامج التي تحقق نتائج حقيقية.
كما أن معالجة البطالة تتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص ومؤسسات التعليم والتدريب، بحيث يصبح التدريب مرتبطًا مباشرة باحتياجات الاقتصاد، وتصبح الاستثمارات الجديدة مرتبطة بخلق فرص عمل حقيقية
الخلاصة
بعد سنوات طويلة من البرامج والمبادرات والتدريب والحديث عن الريادة والتمكين الاقتصادي، يبدو أن السؤال لم يعد: ماذا أطلقنا؟
بل أصبح: ماذا حققنا؟
فإذا كانت نصف الوعود قد تحولت إلى نتائج، فلماذا لا تزال مشكلة الفقر والبطالة حاضرة بهذه القوة في النقاش الاقتصادي والاجتماعي؟
وإذا كانت عشرات البرامج قد نجحت، فأين قصص النجاح المستدامة التي يمكن قياسها بالأرقام والوظائف والمشاريع والدخول؟
إن مكافحة الفقر والبطالة تحتاج إلى الانتقال من اقتصاد المبادرات إلى اقتصاد النتائج، ومن كثرة البرامج إلى جودة التنفيذ، ومن الاحتفال بعدد المستفيدين إلى قياس عدد الذين تغيرت حياتهم بالفعل.
فالدول لا تُقاس بكثرة ما تعلنه من برامج ومبادرات، وإنما بما تحققه تلك البرامج من فرص عمل، وإنتاج، ودخل، واستقرار، ورفاه اقتصادي لمواطنيها.
