منبر الكلمة

ملف التعليم الرقمي ورؤية د. طلال أبو غزالة

بقلم القس سامر عازر

استضاف صالون د. سهام الخفش الثقافي، يوم الخميس الرابع عشر من أيار، المفكر والاقتصادي والسياسي د. طلال أبو غزالة، ذلك المناضل الذي تمرّد على واقع النكبة الفلسطينية عام ١٩٤٨ بالإصرار على النجاح رغم صغر سنه. فعندما أعلمه والده بخسارة كل ما كانوا يملكونه في مدينة يافا، عروس البحر، أصرّ على ضرورة الانتصار على المحتل بالتفوّق والنجاح، ومواجهة التحديات وتحويلها إلى فرص للإنجاز.

هذا ما عبّر عنه د. أبو غزالة في أمسية ثقافية وفكرية مميزة، تداعى إليها أعضاء صالون د. سهام الخفش الثقافي، الذي ترك بصمة واضحة على مدى سبع سنوات، استضاف خلالها نخبة من رجالات الوطن في شتى مجالات الفكر والاقتصاد والسياسة والاجتماع والإعلام والأدب والشعر، وغيرها من القضايا التي تهم الشأن العام وقضايا الوطن.

وقد أشار د. أبو غزالة إلى أن التحديات في الحياة تشكل فرصًا لقبول التحدي، ولا ينبغي أن تدعو إلى الاستكانة، إذ إنه في أصعب الظروف وأكثرها قسوة تتفتق الأفكار والأساليب والوسائل التي تتحدى الواقع الأليم، وتفتح آفاقًا جديدة قد تفضي إلى الإتيان بما هو جديد، أو اكتشاف طرق تسهم في مواجهة التحديات وتحقيق النجاح.

ففي نظر د. أبو غزالة، لا وجود لكلمة “مستحيل”، بل إنه يفرح شخصيًا عندما يعرض عليه أحد موظفيه مشكلة تواجهه؛ لأنه يؤمن بأن المشكلات تطلق العنان للتفكير والإبداع والابتكار وإيجاد الحلول والتغلب على العقبات. فصعوبة الحياة لا ينبغي أن تقف عقبة أمام قبول التحدي.

ومن ذكرياته التي يرددها، أنه عندما كان يذهب إلى المدرسة في لبنان، قاطعًا مسافة أربع ساعات ذهابًا وإيابًا، لم يكن ذلك مدعاة للتذمر والشكوى، بل سببًا لمزيد من الإصرار على النجاح. وفي أيام الشتاء القارس، كان يحشو ملابسه من الداخل بأوراق الصحف القديمة ليقي نفسه من لذع البرد وشدته.

ومن شدة إصراره على النجاح، وإيمانه بأن اللغة الإنجليزية مفتاح للتقدم العلمي والتواصل مع العالم، تعلّم هذه اللغة بنفسه حتى استطاع أن يعمل مترجمًا في أحد الأيام.

وفي هذه الأمسية، التي اشرأبت لها الأعناق وحدقت العيون بالمتحدث، تطرق د. أبو غزالة إلى الفجوة التعليمية الكبيرة بين عالمنا العربي والعالم المتقدم. وأكد أن ما نحتاجه ليس مجرد إصلاح المنظومة التعليمية، بل تغييرها شكلًا ومضمونًا. وأشار إلى التحول نحو التعليم الرقمي، الذي بدأ يفرض نفسه بقوة في العالم، إلى درجة أنه قد لا تكون هناك حاجة مستقبلًا إلى حرم جامعي أو صف دراسي بالشكل التقليدي، فالتعليم الرقمي بات يشكل نهجًا جديدًا، ويفتح آفاقًا واسعة للعلم والمعرفة بأقل جهد وأقل تكلفة ممكنة، ولسكان الكرة الأرضية كافة.

ويرى د. أبو غزالة أنه من الضروري التفاعل مع التحول الرقمي والتعليم غير التقليدي، فالمعرفة أصبحت متوفرة بكبسة زر، لذلك لا بد من الابتعاد عن الأسلوب التلقيني، وعن التخصصات التي أصبحت معلوماتها متاحة بسهولة؛ إذ لم يعد ذلك مجديًا اليوم، بل ينبغي التوجه نحو دراسة المواد التقنية التي تفتح أمام الشباب مجالات متعددة في سوق العمل. فالتعليم الموجّه وحده كفيل بالقضاء على البطالة، والإسهام في زيادة الناتج القومي الإجمالي، وقيادة المجتمعات نحو التقدم والنجاح. فهل سنستجيب للتحول الرقمي الشامل في ظل الثورة المعرفية، أم سنبقى خارج مركب التقدم والتعلم الرقمي؟

لقد أشار د. أبو غزالة إلى إطلاق مجموعة أبو غزالة، مع بداية شهر تموز القادم، مشروع “البوليتكنيك” (Polytechnic)، من خلال توفير منصات دراسية مفتوحة المصدر (Open Source) للمهتمين، تقدم المواد المطلوبة لإتقان مهنة أو معرفة أو علم معين، يتم بموجبها منح شهادة رقمية. كما أشار إلى وجود أجهزة حاسوب محمولة يتم تحميل المواد الدراسية المطلوبة عليها فقط، بما يسهم في تسهيل عملية التعلم والاستفادة.

وقد أثارت الأمسية العديد من التساؤلات حول واقع التعليم التقليدي والتعليم الرقمي الجديد، وضرورة الوقوف عند هذا التحول والاستفادة منه قدر الإمكان، بما يمكننا من تأهيل شباب وشابات يحتاجهم سوق العمل وتطلب كفاءاتهم.

فالعالم من حولنا سريع التغيير، وسوف تنقرض مهن كثيرة وتُستحدث أخرى. ومع مرور كل ساعتين تضاف معلومة جديدة، لذلك يصعب الركون إلى القديم وعدم مواكبة ثورة المعرفة والتعلم الرقمي. فلم يعد السؤال: كم نُخرّج من الطلبة؟ بل ماذا نُخرّج، وما التخصصات والمهارات التي يحملونها في ظل التحول الرقمي والتقدم المتسارع في شتى العلوم والمعارف.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى