
د. ثروت الحلواني
مرةً يهتز الأردنيون على جريمة أبٍ قتل أبناءه بدم بارد، ومرةً أخرى يستيقظ الشارع على قضية طبيب عام قيل إنه انتحل صفة اختصاصي تجميل، واستدرج أحداثًا إلى منزله لارتكاب أفعال تمس الكرامة والبراءة والإنسانية.
قد تبدو الجريمتان مختلفتين، لكنهما في الحقيقة تحملان الرسالة المرعبة نفسها:
حين يسقط الإنسان أخلاقيًا، تتحول أقدس الأدوار إلى أدوات أذى.
فالأب خُلق ليكون الأمان الأول لأطفاله، والطبيب أقسم أن يكون حارسًا لصحة الناس وكرامتهم. لكن الكارثة تبدأ حين يتحول الأب إلى قاتل، والطبيب إلى مستغل لضعف الأطفال وثقتهم.
هنا لا تعود القضية مجرد أخبار صادمة أو جرائم فردية عابرة، بل تصبح مؤشرًا خطيرًا على خلل أخلاقي واجتماعي يحتاج إلى مواجهة حقيقية، لا إلى صدمة مؤقتة تنتهي مع خبر جديد.
في الجريمة الأولى، لم تُقتل أرواح أطفال فقط، بل اهتز معنى الأبوة ذاته.
وفي الثانية، لم تُمس براءة أحداث فحسب، بل اهتزت ثقة المجتمع بكل من يرتدي المعطف الأبيض ويدّعي الإنسانية.
الأخطر من الجريمة أحيانًا، أن يتحول المجتمع إلى متفرج معتاد على الفواجع.
أن يصبح الخبر الصادم مجرد مادة للجدل الإلكتروني، لا لحوار حقيقي حول أسباب العنف والانهيار الأخلاقي والصمت والخوف.
إن حماية الأطفال ليست مسؤولية الأسرة وحدها، بل مسؤولية دولة ومؤسسات ومدارس وإعلام ومجتمع كامل.
فالطفل الذي يخاف الكلام، والحدث الذي يُستدرج بسهولة، والضحية التي تصمت خوفًا من الفضيحة… كلها إشارات إلى خلل أكبر من مجرد مجرم منفرد.
نحن لا نحتاج فقط إلى عقوبات رادعة، بل إلى إعادة بناء الوعي المجتمعي.
إلى تعليم الأطفال أن أجسادهم ليست مباحة لأحد.
إلى رقابة صارمة على من ينتحلون الصفات الطبية أو يستغلون الثقة والنفوذ.
وإلى مجتمع يفهم أن التستر على المعتدي ليس أخلاقًا ولا حماية للعائلات، بل مشاركة غير مباشرة في استمرار الجريمة.
المؤلم أن الضحايا في القصتين كانوا أطفالًا…
والمرعب أن الجناة كانوا أشخاصًا يفترض أنهم مصدر الأمان.
فالمجتمع لا يسقط حين تكثر الجرائم فقط…
بل حين يصبح الطفل غير آمن في بيته، وغير آمن حتى عند من يفترض أنه طبيبه.
الطفل الذي لا يأمن في بيته… ولا عند طبيبه… أي وطن نحاول أن نبنيه له؟



