منبر الكلمة

مسؤوليتُنا ارساءَ العدلِ والحقِ والسلام..

القس سامر عازر

في لحظة نبوية فائقة، وبينما كان إشعياء في الهيكل، اهتزّت أركانه بمجد الله، وتعالت تسبحة السرافيم: «قُدُّوس، قُدُّوس، قُدُّوس». وهناك، سَمع إشعياء صوت الرب يسأل: «من أُرسل، ومن يذهب من أجلنا؟». وكان الجواب النابع من قلب مُطهَّر ومسّته جمرةُ النعمةِ الإلهية: «هأنذا، أرسلني» (إشعياء ٦: ٨).

ليست هذه الدعوة حادثة ماضية طُويت صفحاتها، بل هي نداء حيّ، يتجدّد في ضمير كل من حمل نعمة الدعوة إلى القيادة الروحية. نحن لا نُرسل لكي نقف على الأطراف، ولا لنراقب من بعيد، بل لنكون في صُلب الحياة، وفي قلب الأحداث، وفي خط المواجهة مع الظلم والكذب والتمييز والكراهية. نحن شهود لإله لا يرضى بالركود، بل يُقيم دعاة عدل وسلام ومساواة وحق، ويُرسلهم إلى عالم يحتاج إلى صوت نبوي يُوقظ، ويُنير، ويُصالح.

في زمن اختلطت فيه الأصوات وتاهت فيه البوصلة، لا يكفي أن نُدين الشر من على المنابر، بل علينا أن نواجهه بحضورنا، بكلمتنا، وبمواقفنا. فالعدل ليس أمنية نرجوها، بل التزام نعيشه. والمساواة ليست مجرد بند في خطاب، بل موقف نتحمّله. والسلام ليس مجرّد غياب للنزاع، بل حضور نشط للرحمة والكرامة. والحق ليس رأيًا بين آراء، بل هو حضور الله في قلب التاريخ.

من قلب رسالتنا الروحية، يُولد التزامنا الإنساني، والاجتماعي، والوطني. نحن لا نفصل بين السماء والأرض، ولا نفصل بين الإيمان والعمل، بل نعرف أن من يؤمن حقًا لا يستطيع أن يصمت أمام الظلم، ولا أن يقف محايدًا أمام الجراح المفتوحة. رسالتنا أن نكون ضميرًا حيًا لأمتنا، صوتًا لا يُشترى، وصدى لا يصمت. أن نحمل في وجداننا تطلعات الناس البسطاء، وآلام المهمّشين، وصرخة الذين لا صوت لهم. أن نكون صلاة تمشي على الأرض، وكلمة صار لها لحم ودم، تلمس، وترافق، وتُضيء الطريق.

من أُرسل؟ سؤال الله هذا لا يزال يُطرح كل يوم. وهو لا يطلب الأذكى ولا الأقوى، بل من يقول له بإيمان صادق: “هأنذا، أرسلني”. وهذا الجواب لا يُقال بالكلمات فقط، بل يُحفر بالدم، ويُثبت بالمواقف، ويُعلن بالحياة.

نحن، كقادة روحيين، لسنا فقط مدعوّين لننقل الرسالة، بل لنكونها. أن نحمل في حياتنا ملامح الإنجيل، وفي قراراتنا نَفَسَ النبوة، وفي خطابنا بُعد الرجاء. نحن لسنا دعاة حياد، بل شهود حضور. لسنا أصحاب مصالح، بل رسل حق. لسنا طلاب شعبية، بل خدام كلمة لا تتراجع ولا تُساوَم.

وفي هذا الزمن المليء بالتحديات، نثق أن من أرسلنا، لا يتركنا. ومن دعانا، يرافقنا. ومن نادانا، يمدّنا بالقوة. فلنقلها كل يوم من جديد، من عمق القلب، ومن عمق الدعوة: هأنذا، أرسلني. أرسلني من أجل الحق، من أجل الإنسان، من أجل بناء عالم لا يُقصي أحدًا، ولا يُهمّش صوتًا، ولا يحتقر حياة، بل يُقيمه الله على أساس متين من العدل، والسلام، والمساواة، والحق.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى