منبر الكلمة

البيدر .. و( دراس ) القش

 

عوض ضيف الله الملاحمة

في خِضم الضغط النفسي ، والخوف من القادم ، وتنامي عدم اليقين ، وغياب الراحة النفسية ، وضنك العيش ، والحروب المدمرة المستمرة التي تحيط بنا ، أهرب أحياناً الى الوراء ، وأستذكر حياتنا الجميلة رغم شظف عيشها ، حياة القرية الوادعة ، البسيطة ، وسوف آخذكم معي الى الماضي الجميل في رحلة لا تخطر على بال أحد .

ما زلت ، وسأبقى أحِنّ ، وأحِب استرجاع الماضي وذكرياته المتعلقة في الريف ، والعيش في القرية . حيث انها رغم الشقاء ، والعوز ، الا انها كانت حياة بساطة ، وسعادة ، وهدوء ، وراحة بال ، واطمئنان .

ولِدت ، ونشأت ، وترعرت في قرية ( زحوم ) في محافظة الكرك . حيث ورثت الأنفة ، والشموخ ، والجرأة ، والكرم ، والطيبة ، والسماحة ، وحب العطاء جيناً ، ومكتسباً من كرك التاريخ والمجد .

وأعتقد ان الكثيرين من الناس لا يعرفون سبب تسمية قريتنا بإسم ( زحوم ) . سبب التسمية يعود الى معركة مؤتة الخالدة . حيث تجمعت جحافل جيوش المسلمين في منطقة ( زحوم ) ، بسبب طبيعة تضاريسها ، لأنها منطقة منخفضة نوعاً ما ومحاطة في الجبال من كافة الجهات ، وتم إختيارها حتى لا تنكشف جيوش المسلمين أمام الروم . فإزدحم المكان بالجيوش ، وأُطلِق على تلك البقعة من الأرض إسم ( زحوم ) ، وهي تبعد عن موقع معركة مؤتة حوالي ( ١٢ ) كم .

في خمسينيات القرن الماضي ، كان غالبية أهل القرية من ميسوري الحال ، ويمكن إعتبارهم من الطبقة الوسطى . وكانوا يعتاشون من تربية الأغنام ، وفلاحة الأرض ، وكانوا يملكون آلاف الدونمات في مناطق مختلفة من محافظة الكرك . كما كانوا يمتلكون قطعاناً من الأغنام يصل عددها الى حوالي ( ٥,٠٠٠ ) رأس ، وربما يزيد العدد او ينقص حسب الموسم . فإذا كان الموسم جيداً ، يزداد عدد رؤوس الماشية ، وإذا جاءت سنوات قحط ، يقل العدد ، لانهم يبيعون من القطعان ليُطعِموا البقية .

في مقالي هذا ، سوف أتطرق الى فِلاحة الأرض ، التي تبدأ من حرثِها ، وبذرها ، ثم حصادها ، ونقل القش الى البيادر ، ودرسِهِ ، وتذريته ، وتخزين الحبوب ، والتبن .

لأن أهل / زحوم يمتلكون أراضٍ كثيرة ، كانوا يقسمون زراعة الأرض على موسمين سنويين ، فمثلاً يزرع كل فلاح قسماً من الأرض التي يمتلكها ، هذا العام مثلاً ، ويترك القسم الثاني في الغالب بدون زراعة ويسمى ( گراب ) ، حيث يُكتفى بحرثِه في بداية الشتاء ، دون زراعة حتى تستريح الأرض وتجود بموسمٍ جيد في العام القادم . وفي حالات قليلة تتم زراعتها بالبقوليات مثل : العدس و الحمص ، يعني يمكن إعتبارها دورة زراعية بسيطة .

كانوا يقومون ببذر الأرض بالقمح او الشعير ، بالتزامن مع حراثتها . وكان موعد بذر الحبوب وحرث الأرض غالباً يتم بعد الشتوة الأولى التي كانت تأتي في نهاية شهر أيلول ، لذلك كان يتم البذر والحرث في شهر تشرين أول ، وربما بداية تشرين ثاني . وكان الحرث في خمسينيات وستينيات القرن الماضي يتم على الدواب . فإذا كان الحرث على دابتين تسمى أداة الحرث ب ( عود الحراث ) ، وإذا كان الحرث يتم على دابة واحدة تسمى الأداة ( فرد الحراث ) ، ولديّ واحد موجود في حديقة بيتي للآن . وبعدها أصبح يتم الحرث على التراكتور .

وكان والدي رحمة الله عليه ، ماهراً في كافة أعمال الفِلاحة ، ومشهود له بذلك بين الناس . حتى أدواته التي كان يستخدمها كانت مميزة مثل : ( المربع او الشاعوب ، ومذراة القش : تكون اسنانها متباعدة ومدببة ، ومذراة الطِياب ، وتكون اسنانها متقاربة وعريضة ، والگربالة تكون فتحاتها كبيرة نوعاً ما لتسمح بمرور حبوب القمح او الشعير فقط ، والغربال وتكون فتحاته صغيرة تسمح بمرور الشوائب مثل التراب والحصى الصغيرة ، ولا تسمح بمرور الحبوب . وآخر وأهم الأدوات هو ( نُصْ المِدْ ) وهو مكيال لكيل الحبوب .

وفي سنوات الخير ، يتم حصاد البقوليات كالعدس والحمص في نهاية شهر أيار ، ويتم حصاد الشعير في شهر حزيران ، ويتم حصاد القمح في شهر آب .

بعد الحصاد يُنقل المحصول او ( القش ) على الدواب ، بإستخدام أداة خشبية تسمى ( القَادِمْ ) ، ولاحقاً كان يتم النقل بواسطة التراكتور . ويتم تجميعة بطريقة تشبة بناء السور ، ويسمى البيدر .

وهنا نصل الى انواع عمليات الدَرْسْ او ( الدراس ) :—
١ )) حتى الستينات كان يتم الدراس بواسطة ( القَرَنْ ) ، وهو مجموعة من الدواب من البغال والحمير ، تربط بحبل مشترك من رؤوسها لتنتضم في صفٍ واحد ، ويسوقها أحد الأشخاص ، وهو يدور معها لساعات ، لتدور على قُرص القش المفرود تحت حوافرها لتدوسه ، فينفرط الحب ويُطحن القش ، عندها يُصبح منتج هذه المرحلة هو ( الطِيّاب ) . وهنا تنتهي عملية الدراس التي تستغرق عدة أيام لكل قرص ، وكان البيدر الواحد يتكون من ( ٤-٥ ) . وهي عملية شاقة ومُتعبة جداً .

٢)) بعدها ظهرت وسيلة أخرى للدراس ، وتسمى ( النورج ) وهي آلة ، تتكون من عجلات حديدية حادة ، تُربط في تراكتور ، ويجلس أحد الأشخاص فوقها على صفيحة من حديد ، ويستمر سائق التراكتور بالدوران على قُرص القش ، حتى يتحول الى طِيَّاب ، كما وصفناه اعلاه .

٣ )) وفي السبعينات ظهرت آلة أخرى تسمى ( الحشّاية) وهي عبارة عن آلة فَرم وطحن ، مربوطة في تراكتور يتم حشو القش فيها ، لتفرمه ، ويخرج من أسفلها على شكل طِيّاب .

بعدها ، يتم تجميع الطِيّاب على شكل تلة او صومعة ، لتتم المباشرة في مرحلة تذريته ، اي فصل الحبوب عن التبن ، بتذريته اي نثره عالياً في الهواء بواسطة ( المربع ) او ( مذراة الطياب المدببة ) . فيطير التبن بعيداً لأمتار عن الحبوب ، وهي بداية الفصل ، ويتجمع الحَبّ منفصلاً عن التبن وبينهما ( العُقدة ) وهي التبن الخشن .

وهنا تتم ( گربلة ) العُرمة ( اي كومة الحبوب ) ، ليتم فصل العُقدة عن الحب . وبهذا تنتهي العملية ، فيتم نقل الحبوب الى المخازن ، والتبن الى مخزن التبن لإطعامه للأغنام والدواب ، ويتم نقل العُقدة الى مخزنها الخاص ليتم استخدامها كوقود للطابون ، لخبز الخبز فيه .

٤ )) ثم ظهرت وسيلة حصاد متطورة وحضارية تسمى ( الحصّادة ) ، وهذه تختصر كل ما سبق ذكرة ، حيث تأتي الحصادة الى الأرض وهي آلة زراعية ضخمة جداً ، يتقدمها فراش معدني ربما يصل عرضه الى ( ٥ ) أمتار او أقل او أكثر ، واثناء دوران الفراش يحصد الزرع وتطحنه الحصادة وتذريه وتنفث التبن ويبقى الحب فقط ، وتتم تعبئة الحبوب في شوالات كبيرة . وهي عملية حضارية مريحة جداً ، لكن الذين يربّون الماشية لا يلجأون اليها لانهم يخسرون التبن الذي يستخدمونه لإطعام الماشية .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى