
“مؤشر النزاهة في البحث العلمي وأثره في تصنيف الجامعات
أداة علمية قاصرة في مواجهة المعايير الأكاديمية العالمية
بقلم الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
جامعة اليرموك
ترددت كثيرا في الخوض بموضوع تصنيف البحث العلمي في الجامعات ظنا مني إنها سحابة صيف وتمر دون أثر إلا ان مجمل النقاشات كانت اماً نقدا حادا للإدارات الجامعية والجامعات العربية او على النقيض دفاعا مستميتا عنها وكلاهما جانبهما الإنصاف. في خضم الجهود العالمية الرامية إلى تحسين جودة التعليم العالي وتعزيز مكانة الجامعات في ميادين البحث العلمي، برز مؤخراً ما يسمى بـ “مؤشر مخاطر النزاهة البحثية” (Research Integrity Risk Index – RI²)، وهو أداة تحليلية حديثة طُورت عام 2025 من قبل الدكتور لقمان مهو في الجامعة الأمريكية في بيروت. يهدف المؤشر إلى تقييم مخاطر النزاهة في المؤسسات الأكاديمية من خلال تحليل معدل سحب المقالات (Retraction Rate) ونسبة النشر في مجلات أُزيلت من قواعد بيانات علمية مرموقة مثل Scopus وWeb of Science. ورغم وضوح النية وراء تطويره لتعزيز الممارسات الأخلاقية، إلا أن استخدامه كأداة تصنيف جامعي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية، محلياً وعالمياً.
يعتمد RI² على بيانات مفتوحة تُستمد من قواعد بيانات موثوقة، وهي شفافة وقابلة للتحقق، مما يمنحه قوة أولية في إثارة نقاشات حول النزاهة العلمية. كما يُنظر إليه من بعض الزوايا كأداة تشخيصية نوعية تكمّل التصنيفات العالمية الأخرى التي تُركّز تقليدياً على مؤشرات الكمية والسمعة والتمويل. ومع ذلك، فإن اقتصار المؤشر على معيارين فقط هما معدل سحب الأبحاث والنشر في مجلات محذوفة، يخلق اختزالاً مفرطاً لظاهرة معقدة مثل النزاهة الأكاديمية، ويغفل عناصر أخرى جوهرية كالبنية التحتية، ومستوى الرقابة الأكاديمية، وجودة التعليم والبحث، والخصوصية المؤسسية والسياقات الوطنية المختلفة.
في السياق العربي، أثار RI² ردود فعل قوية. تصنيفه للعديد من الجامعات في المغرب ومصر والسعودية كجامعات ذات “مخاطر عالية” في النزاهة البحثية، دفع كثيرين للتشكيك في دقة المنهجية وملاءمتها للبيئات ذات الموارد المحدودة. على سبيل المثال، نُشرت تقارير تُظهر أن جامعة الملك سعود قد سجلت نحو 986 ورقة بحثية في مجلات محذوفة خلال 2023–2024، ما أدى إلى تصنيفها ضمن الفئة الحمراء، دون أن يصدر عن الجامعة توضيح رسمي، وهو ما أثار تساؤلات إضافية حول قبول هذا المؤشر ومدى تمثيله للواقع المؤسسي. أما في الأردن، فقد وُصفت جميع الجامعات الرسمية تقريبًا ضمن فئات غير مرضية في المؤشر، ما أشعل جدلاً واسعاً بين الأكاديميين الذين دعوا إلى مقاربة أكثر عدالة تأخذ بالاعتبار السياق المحلي ومستوى الوعي بالمجلات المفترسة.
