
الإسلام ليس ملكاً لأحد… حين يتاجر المتطرفون والمصلحيون بالدين!
د. مفضي المومني
الإرهاب ليس له دين وهو عدو الإنسانية… وفي بلدنا فجعنا أخيراً بمجزرة حمود لأخوتنا الاردنيين.. وبعدها الشهيد جواد السلايطه وقبلها قوافل من شهداء التطرف وتأجير العقل… وفي كل مرة يحاول البعض اتهام الأسلام بالباطن أو الظاهر… ويكثر الحديث والمقالات والتصريحات… بعضها يقطر سُماً زعافاً..وبعضها مناسبة للظهور والمتاجرة وبيع وتسوق الوطنية.. وبعضها أحقاد مبيتة تظهر بمظهر الرقي والحداثة.. واجترار فلسفة حاقدة على الإسلام…!.
وهنا ينسى البعض ممارسات بيننا تدعي إمتلاك الإسلام… وتركب موجته…وهي تعرف أو لا تعرف أنها تسيء للاسلام عندما تقرنه امتلاكاً بشخصيات أو جماعات أو أحزاب.
أخطر ما تواجهه المجتمعات ليس التطرف وحده، بل أولئك الذين يختطفون الدين، ويدّعون امتلاكه، ويتحدثون باسمه، وينصّبون أنفسهم أوصياء على الناس وعقائدهم، وكأن مفاتيح الإسلام في جيوبهم، وكأنهم وحدهم من يملكون حق تفسيره وتحديد من ينتمي إليه ومن يخرج من دائرته!
الإسلام دين عظيم، نقي في جوهره، قائم على الرحمة والعدل والتسامح وصون كرامة الإنسان، وليس مسؤولاً عن انحرافات بعض المنتسبين إليه، ولا عن جرائم من يرفعون شعاراته لتبرير القتل والكراهية والإقصاء والتكفير…أو يركبون موجته لتحقيق مصالح دنيوية… فالدين شيء، وسلوك المتدينين شيء آخر، وبينهما مسافة قد تتسع أحياناً إلى حد التناقض الكامل…وقد تكتمل إذا كان الهدف صالحاً…بعيدا عن غرض الدنيا.
والخطأ الشائع الذي يجب أن نتوقف عنده، هو ركوب موجة التدين لتحقيق مصالح دنيوية، سياسية كانت أم اجتماعية أم شخصية. فهناك من يتخذ من الدين سلّماً للوصول إلى موقع أو نفوذ أو وجاهة اجتماعية أو ربح مادي، وهناك من يوظف الخطاب الديني لاستمالة الناس وكسب الولاءات، وهناك من يتستر خلف المظهر والشعارات الدينية، بينما تكشف ممارساته وسلوكياته عن نقيض ما يدّعيه. وهؤلاء لا يقل خطرهم عن أصحاب الفكر المتطرف، لأنهم يستثمرون ثقة الناس بالدين لتحقيق مكاسبهم الخاصة…ويكرسون إمتلاكه لكل ذي غاية… سلبية أو مصلحيه.
أما أصحاب الفكر التكفيري، فخطؤهم أكبر وأخطر؛ فهم لا يكتفون بسوء فهم الدين، بل يحتكرون تفسيره، ويصادرون حق الآخرين في الإيمان، ويوزعون صكوك الغفران وأحكام الكفر، ويحولون الاختلاف إلى عداوة، والمجتمع إلى جماعات متناحرة. وقد يصل بهم الأمر إلى استباحة الدماء والأعراض والأموال، تحت معتقدات دينية لا علاقة لها بجوهر الإسلام ولا بمقاصده…ويكفرون المسلم وغير المسلم.. وقد يكونوا اداة بأيدي خارجية حاقدة وعدوة.. والأمثلة كثيرة..!.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية: (ادعاء امتلاك الإسلام!) فالمتطرف يدّعي أنه الممثل الوحيد للدين، والمتزلف يوظفه لمصلحته، والانتهازي يتخذه غطاءً لمكاسبه، وكل منهم يريد أن يجعل من فهمه ومصلحته الشخصية معياراً للإسلام، وكأن هذا الدين العظيم وُجد ليكون ملكية خاصة أو أداة في أيدي بعض الأفراد والجماعات والتيارات السياسية…لسرقة عواطف وفطرة العامة الدينية لتحقيق مآربهم…ومصالحهم.
الإسلام ليس ملكاً لحزب، ولا جماعة، ولا تيار، ولا شخص، ولا يحق لأحد أن يحتكره أو ينصّب نفسه ناطقاً حصرياً باسمه. هو دين الجميع، ودين الأمة، ومصدر قيم أخلاقية وإنسانية عظيمة، ولا يجوز أن تتحول صفة التدين إلى حصانة من النقد والمساءلة، أو أن يصبح إطلاق اللحية أو ارتداء لباس معين أو ترديد الشعارات دليلاً كافياً على الاستقامة والنزاهة وصحة الموقف.
فالناس فيهم الصالح والطالح، والصادق والكاذب، والمخلص والمنافق، والعاقل والمتطرف، وبعضهم يلبس لبوس الإسلام ظاهراً… ومنهم من يتخذ الدين طريقاً للإصلاح، ومنهم من يتخذه ستاراً للتضليل والإفساد. وهذه طبيعة البشر، ولا يجوز أن نحمل الإسلام وزر سلوكهم، أو أن نسمح لأحد بأن يمرر أخطاءه وجرائمه تحت عباءته.
ومن الظلم للإسلام أن يُحاكم بأفعال الإرهابيين، كما أنه من الخطأ أن نمنح كل من يتحدث باسمه صك البراءة والصلاح. فليس كل متدين صالحاً فالحكم لعمله وسلوكه، وليس كل من رفع شعار الإسلام ممثلاً له، وليس كل من أكثر الحديث عن الفضيلة يمتلكها…!.
إن حماية الإسلام تبدأ بتحريره من أدعياء امتلاكه، ومواجهة الفكر التكفيري بلا تردد، وتجفيف منابع التطرف والتوظيف السياسي للدين، وتعزيز الوعي الديني المستنير، وإعلاء قيمة العقل والحوار والاختلاف، وترسيخ المواطنة والعيش المشترك.
وأخيراً، من حق كل إنسان أن يتدين، وأن يعتز بدينه، لكن ليس من حقه أن يحتكر الدين أو يتحدث باسم الله أو يصادر إيمان الآخرين…لأن المتطرفين يستخدمون ذات الأسلوب والفكر…!.
اتركوا الإسلام نقياً كما هو، ولا تحمّلوه أوزاركم، ولا تجعلوا من الدين تجارة أو سلطة أو وسيلة للهيمنة على الناس. فالإسلام أكبر منكم جميعاً، وأسمى من أن يكون غطاءً لأطماعكم أو تطرفكم أو نفاقكم.
الدين لا يحتاج إلى من يدّعي امتلاكه، بل إلى من يحسن فهمه والعمل بقيه…وبعدها لا تخافوا من المسجد والمدرسة والمعلم… فلم ولن يكونوا صناعاً للتطرف…! .
حمى الله الاردن
