
قبلة “نعيماً” ما بعد الاستحمام
٢٠٢٦/٩/٤
القس سامر عازر
ثمة عادات صغيرة في حياتنا تبدو للوهلة الأولى عابرة وبسيطة، لكنها تحمل في داخلها معاني كبيرة لا ندرك عمقها إلا عندما نتقدم في العمر، ونكتشف أن أجمل ما احتفظنا به من طفولتنا لم يكن لعبةً ولا ثوباً ولا صورة، بل كان إحساساً بالدفء والمحبة والأمان. ومن هذه العادات التي ما زالت تعيش في ذاكرتي ووجدان عائلتي، عادة جميلة كنا وما زلنا نمارسها: «قبلة نعيماً» ما بعد الاستحمام.
فمنذ نعومة أظفارنا تعودنا، بعد أن ننتهي من الاستحمام، أن نذهب إلى الوالدين فنقبلهما، فيقولان لنا: «نعيماً»، وكأن هذه الكلمة القصيرة تحمل معها دعاءً طويلاً بالصحة والعافية والبركة.
«نعيماً»… أكثر من مجرد كلمة
ولعل من الجميل أن نتوقف قليلاً عند هذه الكلمة التي اعتدنا سماعها وترديدها دون أن نتأمل معناها. «نعيماً» في أصلها اللغوي من النَّعيم، والنعيم هو الراحة والطيب والهناء وحسن الحال. وعندما نقول لمن خرج من الاستحمام «نعيماً» أو حتى لمن قام بحلاقة شعره، فنحن لا نصف مجرد عملية تنظيف للجسد، وإنما نتمنى له الراحة والعافية والهناء.
لكن الكلمة في وجداننا الشرقي تجاوزت معناها اللغوي لتصبح دعوة محبة. وكأننا نقول للإنسان: هنيئاً لك راحتك ونظافتك وانتعاشك، وجعل الله لك في حياتك راحةً وعافيةً وطيباً.
ومن هنا تصبح «نعيماً» كلمة جميلة تختصر مشاعر كثيرة؛ فهي دعاء صغير في لفظه، كبير في معناه. وما أجملها عندما تأتي من الوالدين! فكأن الوالدين حين يقولان لأبنائهم «نعيماً» لا يضيفان إلى نعيم الجسد نعيم القلب فحسب، بل يضيفان إلى نظافة الجسد بركة الدعاء. وهنا تحديداً تكمن جمالية هذه العادة العائلية التي رافقتنا منذ الطفولة. وما أجمل هذا الدعاء الصادق!
لا أدري من أين جاءت هذه العادة، ولا متى بدأت، ولا كيف انتقلت إلينا عبر الأجيال، لكنها بقيت في عائلتنا حتى يومنا هذا. وربما أن أجمل العادات هي تلك التي لا نحتاج دائماً إلى معرفة تاريخها بقدر ما نحتاج إلى أن نحافظ على معناها.
لقد كبرت، وتجاوزت الخمسين من العمر، وتزوجت، وأصبح لدي أبناء، لكنني عندما أزور والديّ، أو يزوراننا، ما زالت «قبلة نعيماً» حاضرة. وما زلت أشعر أن لهذه القبلة شيئاً مختلفاً؛ فهي ليست مجرد قبلة عابرة، وإنما تحمل في طياتها شيئاً من الحنان والامتنان والبركة ورضى الوالدين، وكأنها تقول بصمت:
ما زلت ابننا مهما كبرت، وما زلت في أعيننا ذلك الطفل الذي نفرح بسلامته ونطلب له الخير.
والقبلة في ثقافتنا العربية ليست مجرد تعبير جسدي عن المحبة، بل هي لغة قائمة بذاتها. نقبّل الوالدين احتراماً ومحبة، ونقبّل كبار السن تقديراً، ونتبادل القبلات عند اللقاء بعد غياب، وعند العودة من السفر، وفي المناسبات، وفي لحظات الشوق والفرح.
وقد تكون القبلة أحياناً أبلغ من عشرات الكلمات؛ لأنها تقول للآخر: أنت عزيز، ومكانك محفوظ في القلب.
وفي مجتمعاتنا الشرقية، كثيراً ما تكون المصافحة وحدها غير كافية للتعبير عن المشاعر، فتأتي القبلة لتكمل ما تعجز الكلمات عن قوله. قبلة على الجبين تحمل الاحترام، وقبلة على الخد تحمل المودة، وقبلة الوالدين تحمل في كثير من الأحيان معنى أعمق: المحبة والرضا والبركة والدعاء.ولعل أجمل ما في هذه الثقافة أنها لم تجعل المحبة فكرة مجردة، بل جعلتها ممارسة يومية نلمسها ونعيشها.
وفي زمن تتسارع فيه الحياة، وتتغير فيه العلاقات، وتزداد فيه المسافات بين الناس رغم قربهم الجغرافي، تصبح الأسرة أكثر من مجرد رابطة دم؛ تصبح ملاذاً إنسانياً وروحياً. العائلة هي المكان الذي لا نحتاج فيه إلى أن نشرح أنفسنا كثيراً. هي المكان الذي يعرفنا الآخرون فيه قبل أن نتكلم، ويشعرون بتعبنا قبل أن نشكو، ويفرحون لفرحنا وكأن فرحنا فرحهم. وما أجمل أن يعود الإنسان إلى بيته فيجد أباً أو أماً يسألان عنه، أو زوجةً تنتظره، أو أبناءً يفرحون بوجوده. هذه التفاصيل التي قد تبدو عادية هي في الحقيقة من أثمن نعم الحياة.
ولذلك فإن ترابط الأسرة ليس أمراً ينبغي أن نعتبره مضموناً إلى الأبد، بل هو قيمة تحتاج إلى رعاية وحماية وتوريث. فما أجمل بركة الوالدين! ففي ثقافتنا العربية والشرقية، للوالدين مكانة استثنائية. وقد علّمتنا الأجيال أن رضا الوالدين ليس مجرد واجب أخلاقي، بل هو باب من أبواب البركة في الحياة “أكرم أباك وامك لكي تطول ايامك على الأرض” . وكم من مرة شعرنا أن دعوة صادقة من أم أو أب كانت تسبقنا إلى الطريق! دعوة تقول:
الله يوفقك، الله يحميك، الله يرضى عليك، الله يفتحها بوجهك.
ولذلك، عندما أفكر اليوم في «قبلة نعيماً» التي ما زالت ترافقنا، أراها وكأنها طقس عائلي صغير يحمل في داخله دعاءً كبيراً.
قبلة من الابن لوالديه أو بالعكس، وكلمة «نعيماً» من الوالدين، وبين القبلة والكلمة تختبئ سنوات طويلة من المحبة والاهتمام والتربية والتعب والتضحيات.
لا نريد أن نورث أبناءنا المال فقط، ربما ننجح في توريث أبنائنا بيتاً أو أرضاً أو مالاً، لكن أعظم ميراث يمكن أن نتركه لهم هو القيم. أن نعلمهم احترام الوالدين، وصلة الرحم، والسؤال عن الكبير، والاهتمام بالصغير، والجلوس مع العائلة، والاحتفال معاً، والوقوف إلى جانب بعضنا بعضاً في أوقات الفرح والحزن. أن نعلمهم أن الهاتف لا ينبغي أن يحل محل الحضن، وأن الرسالة الإلكترونية لا ينبغي أن تلغي الزيارة، وأن «الإعجاب» على وسائل التواصل الاجتماعي لا يمكن أن يحل محل كلمة صادقة أو قبلة على الجبين. فالتكنولوجيا قرّبت العالم، لكنها لا تستطيع أن تمنحنا وحدها دفء العائلة.
ونحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن نحافظ على تلك المساحات الإنسانية التي تجمعنا وجهاً لوجه، وننظر فيها إلى عيون بعضنا، ونسمع أصوات بعضنا، ونشعر بوجود بعضنا.
ربما لا يتذكر أبناؤنا بعد سنوات كل ما اشتريناه لهم، ولا كل الأماكن التي أخذناهم إليها، ولا كل الهدايا التي قدمناها لهم.
لكنهم سيتذكرون كيف جعلناهم يشعرون. سيتذكرون حضن الأم، وقبلة الأب، ودفء بيت العائلة، وصوت الجد والجدة، واجتماع الأسرة حول مائدة واحدة، والكلمات الصغيرة التي كانت تقول لهم:
أنتم محبوبون، أنتم مهمون، وأنتم جزء من هذه العائلة.
لهذا علينا ألا نستخف بالعادات الجميلة، مهما بدت صغيرة.
فربما كانت «قبلة نعيماً» مجرد قبلة بعد الاستحمام، لكنها بالنسبة لي أصبحت، مع مرور السنوات، ذاكرة عائلية، وبركة والدين، وخيطاً من المحبة يصل الطفولة بالحاضر. وما أجمل أن تبقى بعض الأشياء كما كانت! أن نكبر دون أن نفقد الطفل الذي في داخلنا، وأن نتقدم في العمر دون أن نتوقف عن تقبيل والدينا، وأن نرى أبناءنا يكبرون أمام أعيننا ونحن نحاول أن نزرع في قلوبهم ما زرعه آباؤنا في قلوبنا.
فالعائلة ليست مجرد من نعيش معهم تحت سقف واحد، بل هي الذاكرة التي تسكننا، والمحبة التي تسندنا، والجذور التي تمنحنا الثبات. وإذا كانت الحياة قد علمتنا أن أشياء كثيرة تتغير، فإن علينا أن نحرص ألا تتغير أجمل الأشياء: الاحترام، والمحبة، وصلة الرحم، ودفء البيت، وبركة الوالدين. وما أجمل أن تبقى في بيوتنا تلك الكلمات الصغيرة التي تختصر كل هذا المعنى:
«نعيماً»…
فنجيب بابتسامة وقبلة، وكأننا نقول:
نعيماً علينا بكم، ونعيماً على العمر الذي ما زال يجمعنا، ونعيماً على نعمة العائلة التي لا يعرف قيمتها حقاً إلا من فقد دفأها.
@highlight
