
التعداد السكاني في الأردن.. قاعدة الاقتصاد التي لا يمكن تجاهلها
بقلم أ.د. عاطف البواب
لا يُعدّ التعداد السكاني في الأردن مجرد عملية إحصائية لمعرفة عدد السكان، بل يمثل إحدى أهم الأدوات التي تعتمد عليها الدولة في رسم سياساتها الاقتصادية والاجتماعية وتحديد أولويات الإنفاق والاستثمار. فعدد السكان وتركيبتهم العمرية وتوزيعهم الجغرافي ومستويات مشاركتهم الاقتصادية كلها عناصر تؤثر بصورة مباشرة في حجم الاقتصاد وقدرته على النمو.
وتؤكد دائرة الإحصاءات العامة أن التعدادات السكانية والمساكن تمثل المصدر الأساسي والدقيق لبيانات حجم السكان وتوزيعهم الجغرافي والإداري، كما أن عدد السكان يشكل «المقام» الذي تُحتسب على أساسه معظم المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية والصحية والتعليمية.
وتكشف بيانات البنك الدولي عن تطور مهم خلال السنوات الخمس الأخيرة. فقد ارتفع عدد سكان الأردن من نحو 11.07 مليون نسمة عام 2021 إلى 11.26 مليونًا في 2022، ثم 11.44 مليونًا في 2023، و11.55 مليونًا في 2024، بينما تسجل أحدث بيانات البنك الدولي لعام 2025 نحو 11.52 مليون نسمة، مع ملاحظة أن بيانات السكان قد تخضع للمراجعة.
وفي المقابل، ارتفع الناتج القومي الإجمالي GNP بالأسعار الجارية من حوالي 50.47 مليار دولار عام 2021 إلى 53.04 مليارًا في 2022، ثم 55.78 مليارًا في 2023، و57.40 مليارًا في 2024، وصولًا إلى نحو 60.66 مليار دولار عام 2025. أي أن الناتج القومي الإجمالي ارتفع بحوالي 20.2% خلال الفترة 2021–2025، بينما ارتفع عدد السكان بحوالي 4.1% فقط وفق سلسلة البنك الدولي.
السنة | عدد السكان تقريبا(مليون) | الناتج القومي الاجمالي$ | حصة الفرد من GNP |
2021 | 11.07مليون | 50.47 مليار | 4,562 $ |
2022 | 11.26 مليون | 53.04 مليار | 4,712 $ |
2023 | 11.44 مليون | 55.78 مليار | 4,877 $ |
2024 | 11.55 مليون | 57.40 مليار | 4,968 $ |
2025 | 11.52 مليون | 60.66 مليار | 5,265 $ |
وتشير هذه المقارنة إلى أن الدخل القومي نما بوتيرة أسرع بكثير من نمو السكان، وهو مؤشر إيجابي من حيث المتوسط الحسابي لنصيب الفرد. لكن هذا لا يعني بالضرورة أن دخل الأسر أو مستوى المعيشة ارتفع بالمقدار نفسه، لأن متوسط نصيب الفرد لا يعكس توزيع الدخل، ولا البطالة، ولا التضخم، ولا الفروق بين المحافظات والشرائح الاجتماعية.
والأمر ذاته يظهر في الناتج المحلي الإجمالي؛ فقد ارتفع الناتج المحلي بالأسعار الجارية من 36.0 مليار دينار عام 2021 إلى 41.62 مليار دينار عام 2024، بينما ارتفع نصيب الفرد من الناتج المحلي من 3,256 دينارًا إلى 3,547 دينارًا خلال الفترة نفسها.
وهنا تظهر الأهمية الحقيقية للتعداد السكاني. فالأردن لا يحتاج فقط إلى معرفة «كم عدد السكان؟»، وإنما يحتاج إلى معرفة من هم هؤلاء السكان، وأين يعيشون، وما أعمارهم، وما حجم قوة العمل، وما مستوى التعليم، وما عدد الأسر، وكيف يتوزعون بين المحافظات والمناطق الحضرية والريفية.
فإذا كان عدد السكان ينمو، بينما لا ينمو الاقتصاد وفرص العمل بالسرعة نفسها، فإن الضغط على سوق العمل والتعليم والصحة والإسكان والنقل والخدمات العامة يتزايد. أما إذا تمكن الاقتصاد من تحويل النمو السكاني إلى قوة إنتاجية، فإن السكان يتحولون من عبء على الموازنة إلى رأس مال بشري ومحرك للنمو الاقتصادي.
لذلك، فإن التعداد السكاني القادم يجب ألا يُنظر إليه باعتباره مجرد تحديث لرقم السكان، بل باعتباره قاعدة بيانات اقتصادية وطنية تساعد الأردن على تحديد احتياجاته الحقيقية من المدارس والمستشفيات والجامعات وفرص العمل والبنية التحتية والاستثمارات.
الخلاصة: خلال 2021–2025 نما الناتج القومي الإجمالي الأردني بنحو 20% مقابل نمو سكاني محدود نسبيًا، لكن التحدي الحقيقي أمام الأردن هو ضمان أن يتحول هذا النمو في الناتج إلى نمو حقيقي في دخل المواطن وفرص العمل والإنتاجية ومستوى المعيشة. ومن هنا يصبح التعداد السكاني أداة اقتصادية للتخطيط، وليس مجرد رقم إحصائي.
