
سَيَبْقَى لَكَ فِي الذَّاكِرَةِ مَقْعَدٌ لَا يَشْغَلُهُ أَحَدٌ
رثاءٌ في العزيز الراحل حسن الجراح
عدنان نصّار
أتأمّل ضحكتك الناعمة يا حسن، وأتوقّف طويلاً أمام نقاء سريرتك، وأستعيد تلك الملامح التي كانت تحمل من الطمأنينة أكثر مما تحمله الكلمات. أتأمّل وجهك الذي لم يكن يحتاج إلى كثير من التعبير كي يكشف عن قلب أبيض، وروح هادئة، وإنسان عرف كيف يعيش ببساطة النبلاء، بعيداً عن صخب الحياة ومظاهرها العابرة.
أجالسك في الذاكرة، أصغي إليك، وأستعيد نبرة صوتك، وطريقتك في الحديث، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لم نكن ندرك أنها ستصبح ذات يوم كنوزاً نبحث عنها في غيابك. كم تبدو المجالس مختلفة حين يغيب عنها أصحابها الذين كانوا يمنحونها روحاً ومعنى! وكم تصبح الكلمات ثقيلة حين نريد أن نقولها لمن لن يسمعها بعد الآن!
يا حسن …
لم يكن حضورك مجرّد وجود في المكان، بل كان حالة من الألفة التي يشعر بها الإنسان دون أن يسأل عن أسبابها. كنت تحمل في هدوئك شيئاً من صفاء النفوس، وفي ابتسامتك ما يخفّف عن الآخرين أثقال الأيام. لم تكن من أولئك الذين يرهقون الحياة بالادّعاء، ولا ممن يظنون أن قيمة الإنسان فيما يقول عن نفسه، بل كنت تترك للناس أن يكتشفوا طيبتك من خلال معاشرتك ومواقفك.
أتذكّر عباداتك في محراب الصابرين والحاضرين الشاكرين، وأتأمّل ذلك الجانب العميق من روحك، حيث كان الإيمان أقرب إلى السكينة منه إلى الكلام، وحيث كان الصبر عبادة، والشكر أسلوب حياة، والرضا نافذة يطلّ منها الإنسان على رحمة الله.
كان فيك شيء من أولئك الذين لا يطلبون من الدنيا أكثر مما تمنحهم من ستر وطمأنينة ورضا. تعرف أن الحياة رحلة قصيرة، وأن ما يبقى منها ليس المال ولا المناصب ولا الأسماء التي تلمع ثم تنطفئ، وإنما ما نزرعه في قلوب الآخرين من محبة، وما نتركه خلفنا من سيرة طيبة.
وأنا اليوم، كلما حاولت أن أستعيدك، أجدني أمام تفاصيل كثيرة لا أعرف من أين أبدأ بها. أأبدأ من ضحكتك التي كانت تسبق كلماتك؟ أم من مجالسك التي كنت أجلس فيها منصتاً إليك؟ أم من تلك الروح التي كانت تجعل الصداقة أكثر من مجرد لقاء عابر؟
إننا لا نعرف قيمة بعض اللحظات إلا بعد أن تصبح من الماضي. حينها نكتشف أن جلسة عادية كانت تجمعنا، كانت في حقيقتها نعمة كبيرة، وأن حديثاً عابراً كنا نؤجله كان يستحق أن نصغي إليه طويلاً، وأن وجوهاً اعتدنا رؤيتها كل يوم كانت تشكّل جزءاً من استقرار أرواحنا.
حسن أسمعني ؛ يا صديقي العزيز…
ما أقسى أن يتحوّل الإنسان الذي اعتدنا أن نراه إلى ذكرى، وأن يصبح السؤال عنه دعاءً، وأن تتحوّل الرغبة في الجلوس إليه إلى استعادة صامتة لمشهد قديم. نمدّ أيدينا إلى الذاكرة، فنجدك هناك؛ في مكانك، بابتسامتك، بهدوئك، وكأن الغياب لم يحدث، وكأننا نستطيع أن نلتقي بك مرة أخرى، وأن نستأنف حديثاً لم ينتهِ.
لكنها الحياة، تمضي بنا على غير ما نشتهي، وتأخذ منا أناساً نظن أن وجودهم سيظل جزءاً ثابتاً من أيامنا. ثم تتركنا أمام حقيقة لا مهرب منها: أن الموت نهاية الحضور الجسدي، لكنه ليس بالضرورة نهاية الحضور الإنساني..فأقسى ما في الموت هو الفراق الأبدي يا حسن..
فثمة أناس يرحلون، وتبقى أرواحهم موزّعة في وجوه محبيهم، وفي حكاياتهم، وفي الأماكن التي شهدت لقاءاتهم. وثمة أناس لا يحتاجون إلى أن يتركوا خلفهم أثراً مكتوباً، لأن سيرتهم الطيبة هي الكتاب الذي يقرؤه كل من عرفهم.
ولعلك يا حسن من هؤلاء الذين لا يُقاس حضورهم بعدد السنوات، بل بعمق الأثر الذي يتركونه في النفوس.
إلى رائدة وسارة ومحمد وبتول وسولين وزيد…
أبعث مواساتي ومحبة قلبي، وأعرف أن الكلمات، مهما بلغت من الصدق، لا تستطيع أن تملأ فراغاً تركه أب في حياة أبنائه وأحبته. أُشيح بوجهي جانباً أحياناً، لا هرباً من الحزن، بل كي أبقى قوياً وهادئاً أمام وجوهكم. فثمة دموع نخفيها احتراماً لوجع الآخرين، وثمة دموع أخرى هي رمز للفقد والوفاء والذاكرة، وربما للفرح أيضاً، حين نستعيد لحظة جميلة أو كلمة لا تزال تنبض في أعماقنا.
وأنا أستعيد لقاءنا الأخير بك يا حسن، أتذكّر بكاءك الخفي، وتلك اللحظة التي اختلط فيها الحنان بالوجع، حين قلت لي كلمات لم تغادر ذاكرتي:
«ليس بالضرورة أن يكون لك أمّ على قيد الحياة.. فابنة تمسّد على جبينك تنسيك أوجاع الدنيا»..أبكتني العبارة في حضرة القديسة الصغيرة سلمى..نعم وحرقة الدمع كوت الجزء الأيمن من خدي ..أنعيك بدمع الفراق الابدي يا حسن .
يا الله، كم كانت عبارتك عميقة! لم تكن تتحدث عن ابنة فحسب، بل عن الحنان حين يصبح وطناً، وعن لمسة صغيرة قادرة على أن تهزم أوجاع العمر. بقيت كلماتك في قلبي، وربما لم أكن أدرك يومها أنها ستكون واحدة من آخر الهدايا التي تتركها لي في ذاكرتي.
أفتقدك اليوم لا لأن الموت أخذ إنساناً عزيزاً فحسب، بل لأن الحياة فقدت وجهاً جميلاً من وجوهها، ولأن مجالسنا خسرت روحاً كانت تمنحها شيئاً من الدفء، ولأن الذاكرة، مهما اتّسعت، تعجز أحياناً عن استيعاب فكرة أن الذين نحبهم لن يعودوا إلى مقاعدهم.
سلام عليك يا حسن .. بحجم طيبة قلبك، وبقدر ما تركت في نفوس محبيك من محبة ووفاء. أسأل الله أن يجعل صبرك وعبادتك وطيب أعمالك في ميزان حسناتك، وشكرك وأن يؤنس وحشتك، وينير قبرك، ويجعل مقامك في جنات النعيم.
ولأهلك ومحبيك الصبر والسلوان، ولنا جميعاً عزاء في أن الإنسان الطيب لا يموت تماماً ما دامت سيرته حيّة في قلوب الذين أحبّوه.
سلام عليك يا حسن…
سلام على ضحكتك الناعمة، وعلى نقاء سريرتك، وعلى روحك التي عرفنا فيها معنى الطيبة والرضا.
سلام على مجالس جمعتنا بك، وعلى كلمات بقيت في الذاكرة، وعلى لحظات لم نكن نعلم أنها ستصبح يوماً من أعزّ ما نملك.
رحلت عن أعيننا، لكنك لم ترحل من قلوبنا…
وسيَبقى لك في الذاكرة مقعدٌ لا يشغله أحد..لا يشغله أحد يا حسن..فسلام عليك يوم ولدت ويوم مت ويوم تبعث حيا.
