بني عبيد…”البثينة” حين تتحوّل الثقافة إلى وعدٍ بالمستقبل

عدنان نصّار
في لحظةٍ بدا فيها المشهد الثقافي أكثر حاجةً إلى المعنى، وأكثر توقًا إلى الفعل الحقيقي، جاءت إربد، من بوابة لواء بني عبيد، لتقول “البثينة” كلمتها بهدوء الواثق وبلغة الجمال: الثقافة ليست مناسبة عابرة، بل مشروع وطن.
إطلاق لواء بني عبيد لواءً للثقافة الأردنية لعام 2026 لم يكن مجرد احتفال رسمي، ولا فعالية تُضاف إلى روزنامة وزارة الثقافة، بل كان إعلانًا رمزيًا عن استعادة الدور، وإعادة تعريف العلاقة بين الإنسان والمكان، بين الذاكرة والحلم. هناك، في مركز إربد الثقافي، لم تُوقد شعلة احتفال فحسب، بل أُضيئت فكرة… فكرة أن الثقافة قادرة، حين تتوفر لها الإرادة، أن تكون طريقًا نحو المستقبل.
بني عبيد، التي تختزن في تفاصيلها تاريخًا ممتدًا من الحضارات، لم تصل إلى هذا الاستحقاق صدفة. فالمكان الذي حمل آثار الرومان والبيزنطيين، واحتضن عبر عقود طويلة عقولًا ومبدعين، كان دائمًا أكثر من جغرافيا… كان حالة ثقافية متكاملة، تُعبّر عن روح الشمال الأردني، وعن قدرته على إنتاج المعنى رغم كل التحديات.
لكن السؤال الأهم لا يكمن في “الاختيار”، بل فيما بعده. ماذا يعني أن يكون لواء ما “لواءً للثقافة”؟ هل هو لقب رمزي، أم مسؤولية ثقيلة تستدعي تحويل الشعار إلى ممارسة يومية؟ هنا تحديدًا تبدأ القصة الحقيقية.
إن برنامج المدن والألوية الثقافية، في جوهره، ليس ترفًا مؤسساتيًا، بل ضرورة تنموية. فالثقافة، حين تُفهم على حقيقتها، تتحول إلى أداة تمكين، وإلى مساحة لاكتشاف الطاقات الشابة، وإعادة توجيهها نحو الإبداع بدل الفراغ. هي استثمار طويل الأمد في الإنسان، قبل أن تكون استثمارًا في الفعاليات.
وفي بني عبيد، تبدو الفرصة سانحة أكثر من أي وقت مضى. فالحضور اللافت للمثقفين، وتراكم التجارب الثقافية، والوعي المتنامي بدور الفعل الثقافي، كلها عوامل تُهيئ لنجاح هذا المشروع… لكن النجاح هنا لن يُقاس بعدد الأمسيات أو المعارض، بل بمدى قدرة هذا العام على ترك أثرٍ مستدام في وعي الناس، وفي حياة الشباب تحديدًا.
ما يلفت في هذا الحدث أيضًا، ذلك التلاقي بين الرسمي والشعبي، بين الدولة والمجتمع، في لحظة واحدة. وهذا التلاقي، إن أُحسن استثماره، يمكن أن يُنتج نموذجًا مختلفًا للعمل الثقافي، قائمًا على الشراكة لا التلقّي، وعلى المبادرة لا الانتظار.
وفي زمنٍ تتراجع فيه القيم الكبرى أمام ضجيج اليومي، تبدو الثقافة كأنها خط الدفاع الأخير عن الهوية. من هنا، فإن الرهان على بني عبيد ليس رهانًا على لواء بعينه، بل على فكرة أوسع: أن الأردن، بكل مدنه وأطرافه، قادر على أن يُعيد إنتاج ذاته من خلال الثقافة.
ربما لن تغيّر أمسية شعرية واقعًا اقتصاديًا، ولن تُنهي فرقة موسيقية أزمة بطالة، لكن ما تفعله الثقافة أعمق من ذلك بكثير… إنها تُعيد تشكيل الوعي، وتمنح الإنسان القدرة على الحلم، وتفتح نوافذ جديدة نحو الممكن.
في بني عبيد، بدأت الحكاية… لكن نهايتها ستُكتب بمدى قدرتنا جميعًا على تحويل هذا العام إلى محطة تأسيس، لا إلى ذكرى عابرة.
لأن الثقافة، في النهاية، ليست ما نحتفل به… بل ما نبنيه.


