منبر الكلمة

شكراً .. للإمارات .. الحبيبة

 

عوض ضيف الله الملاحمة

الإمارات العربية المتحدة ، منذ سبعينيات القرن الماضي هي سند داعم ، ومساند لكافة الأقطار العربية ، وخاصة الأردن دون تردد ، ودون مِنّة . الإمارات الحبيبة دوماً تُقدم العطاء بسخاء ، لم يفتر ، ولم يتراجع ، ولم يشهد إنتكاسات تُذكر .

إحتلت الإمارات الحبيبة حيزاً مرموقاً من تفكيري الشخصي للمرة الأولى عام ١٩٧١ — وهو سنة تأسيسها بقيادة العروبي الأصيل الشيخ / زايد بن سلطان آل نهيان ( زايد الخير والعطاء ) رحمة الله عليه — عندما كنت طالباً في السنة الأولى في جامعة بغداد ، أيام كان العراق عروبياً ، عظيماً ، مَهيباً ، ومُهاباً .

وحدث ان إحتلت إيران الجزر العربية الإماراتية الثلاثة (( طُنب الصغرى ، وطُنب الكبرى ، وأبو موسى )) عام ١٩٧١ . وكنت طالباً في السنة الأولى في جامعة بغداد ، حيث خرج كافة طلاب جامعة بغداد ، الذين كان يبلغ تعدادهم حوالي ( ٨٠,٠٠٠ ) طالباً وطالبة ، بالإضافة الى كافة طلاب المرحلة الثانوية في مدينة بغداد ، في مظاهرة عظيمة ، إحتجاجاً على إحتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاثة . أيام حُكم شاه إيران / محمد رضا بهلوي . وأسوق هذا كدليل أكيد وقاطع على الطمع ، والكُره الإيراني للعرب ، بغض النظر عن طبيعة الحُكم .

وأثناء المظاهرة ، كان طلبة الإتحاد العام لطلبة الأردن ، يسيرون بجانب بعضهم . وأثناء مسيرنا ، تكررت المطالبات الجماهيرية للأستاذ / محمود صالح محمد الضمور ، بأن يَكتب نص هُتافات المظاهرة ، كونه شاعراً موهوباً ، ويدرس الماجستير في جامعة بغداد . وبعد الإلحاح الجماهيري للضغط على الأستاذ / محمود الضمور ، ليكتب ويصيغ هتافات المسيرة ، وافق الأستاذ / محمود ، شريطة ان يُلقي الهتافات / عوض الملاحمة ( يعني أنا ) ، وفوراً أحسست وكأن الأرض تميد تحت قدمي ، وإذ بطالبٍ ، لا أعرفه ، طوله لا يقل عن ( ١٩٠ ) سم ، وعرض منكبيه ربما حوالي المتر ، بعضلات مفتوله ، وإذ به يرفعني عن الأرض ، ويحملني على كتفيه العملاقين ، وإذ بمكبر الصوت بيدي ، تماسكت ، ورضخت للأمر ، وأمام إلحاح الجماهير ، وتطمين الأستاذ / محمود الضمور ، بأن زميلي الذي يحملني على كتفيه لديه القدرة البدنية ان يحمل زميلاً آخر . وبدأ الأستاذ / محمود الضمور ، يؤلف صيغة الهتافات ، وأنا أصدح ، والجمهور كله يردد من ورائي : (( جزر طُنب عربية / وأبو موسى محمية / نحميها نحن الشباب / بالعزيمة الثورية .. الخ )) . وإنطلقت المظاهرة من منطقة الوزيرية الى ساحة التحرير ، لمسافة تصل الى حوالي ( ٦ ) كم ، وعرض زملاء آخرين على زميلي الذي يحملني على كتفيه ، ان يبدِّلوا معه ، لكنه رفض ، وأكد ان سيوصلني الى ساحة التحرير . ووصلنا الى ساحة التحرير وإذ بالشهيد الحيّ البطل / صدام حسين بإنتظارنا ، في ساحة التحرير ، حيث كان وقتها نائباً لرئيس الجمهورية المرحوم المهيب / احمد حسن البكر .

تخرجت في جامعة بغداد عام ١٩٧٥ ، وعدت الى وطني ، جلست حوالي عام ونصف ولم يوافَق على تعييني ، مع انني وجدت العديد من الفُرص في عددٍ من الوزارات ، وكان وقتها من يحمل بكالوريوس الأدب الإنجليزي تعتبر شهادته نُدرة ، وراتبه ضعف راتب التخصصات الإنسانية الأخرى .

وكنت أُخطط للسفر الى أمريكا للحصول على درجتي الماجستير والدكتوراة ، لكن مَرّ والدي رحمة الله عليه، بظرفٍ مادي صعب ، فعدلت عن ذلك ، رغم إصراره . وكان قريبي ، وإبن عمتي الأستاذ / بركات حسين سليمان الملاحمة الطراونة ، مُعاراً لوزارة التربية والتعليم الإماراتية بمسمى ( مدير عام ) ، نصحني بالسفر الى الإمارات للبحث عن عمل . وإستجبت لنصيحته ، وسافرت الى أبوظبي الحبيبة . وكنت اتابع إعلانات الوظائف في كافة الصحف المحلية . وصادف ان أعلنت وزارة الداخلية الإماراتية عن وجود شاغر ( رئيساً لقسم الترجمة والشؤون الصحفية ) ، وتنافست ، وحصلت على المرتبة الأولى ، وتم تعييني ، ومكثت أعمل في أبوظبي ( ٢٠ ) عاماً متصلة .

في سبعينات وثمانينات القرن الماضي ، كانت غالبية كوادر الوزارات في ابوظبي تحديداً من الأردنيين ، يتقلدون وظائف عُليا ، هامة ، وحساسة ، وكان يهيأ لك عند مراجعة أية وزارة او دائرة حكومية في ابوظبي ، وكأنك في الأردن لدرجة أن رئيس هيئة أركان القوات المسلحة الإماراتية كان المرحوم الفريق / عواد باشا الخالدي . وكان الأردني وما زال يحظى بإحترام ، وثقة متفردة عند كافة الإماراتيين بدءً من رئيس الدولة الشيخ / زايد بن سلطان آل نهيان ، رحمة الله عليه ، زايد الخير ، والعطاء ، والجود ، والكرم ، المعطاء بسخاءٍ لكل العرب .

سَرّني ، وأفرحني ، وأبهج صدري كثيراً ، خبر الإعلان عن المشروع المشترك بين الإمارات الحبيبة والأردن الحبيب لإنشاء سكك حديدية بمبلغ يصل الى ( ٢,٣ ) مليار دولار . ليربط مناطق التعدين في جنوب الأردن بميناء العقبة ، وتأسيس شركة مشتركة لتطوير المشروع . ويعتبر هذا المشروع الإستثمار الأكبر في الأردن منذ ( ٢٥ ) عاماً . وتعتبر الإستثمارات الجديدة إمتداداً للإتفاقية البالغة قيمتها ( ٥,٥ ) مليار دولار الموقعة نهاية عام ٢٠٢٣ . ويعد هذا المشروع أحد أبرز مشاريع الشراكة بين القطرين الشقيقين ، وتهدف هذه المساهمة الى تطوير بنية تحتية لوجيستية ضخمة لتعزيز التصدير . ويعتبر مشروع سكة حديد ميناء العقبة جزءاً من الشبكة الوطنية للسكك الحديدية . ويشمل هذا المشروع إنشاء خط سكة حديدية بطول ( ٣٦٠ ) كم ، يربط مناطق التعدين في الشيدية وغور الصافي بميناء العقبة ، وهو حُلم شركتي الفوسفات والبوتاس منذ عقود .

شكراً إمارات الخير ، شكراً إمارات زايد الخير ، شكراً للإمارات الحبيبة على هذا السخاء وهذا العطاء الجزل . شكراً للإمارات الحبيبة التي أعزّت ، وما زالت تعز الأردنيين العاملين المقيمين فيها ، وتُحسن إستضافتهم . شكراً للإمارات الحبيبة الرسمية والشعبية الشقيقة . حفظ الله القطرين العربيين الشقيقين الأردن والإمارات من كيد الكائدين ، وحسد الحاسدين وتربص المتربصين ، اللهم آمين يا رب العالمين .

شكراً للإمارات الحبيبة من القمة الى القاعدة حتى أصغر مولود إماراتي .

الإمارات الحبيبة إستضافتني ، وأكرمتني ، وأعزتني ، واحترمتني ، ووفرت لي ملاذاً آمنا للعمل بكرامة ، لأكسب رزقاً حلالاً ، لذلك أنا مدين للإمارات الحبيبة ما حييت .

كلما أرى تنسيقاً ، او تعاوناً بين الإمارات والأردن أسعد ، وأبتهج ، وأفتخر .

وأختم بأبيات — كتبتها على عُجالة — في ثمانينات القرن الماضي ، وألقتها إبنتي الدكتورة ( الأستاذة الجامعية ) / ديما ، قبل أكثر من ( ٣٥ ) عاماً في عدة مهرجانات في أبو ظبي ، إحتفالاً بعيد الطفولة ، أقول فيها :—
أُردنّا أرض الخير / وخيار الناس فيها
وارجالها عرب شُجعان / وخيول معقودة نواصيها
أرض الكرم والجود / دحنون ونوار فيها
معطرة ب شيح وقيصوم / غيث الكريم يرويها
أرض العرب والسيف / مهد الحضارة فيها
عَمّان وأبوظبي يلتقن ع الخير / عيد الطفولة فيها
زايد وحسين هم الإثنين / نخوة وحميّة وقلوب صافيها
أهلاً فيكم ضيوف ومعازيب / دبكة الأردن تقدم أغانيها .

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى