الموت والاختطاف في السويداء: ذاكرة عائلة مروان الخطيب “الموثّقة”
نجاة عبد الصمد – روائية سورية
“كنتُ طالبة في المعهد المصرفي بدمشق… هجموا وقتلوا أخي وزوجته وأبي، وأحرقوا بيتنا… خسرتهم جميعًا، وخسرت دراستي وكل شيء. وفوق ذلك، أسرونا لكي يفاوضوا علينا في عملية التبادل… لم يبقَ لدينا شيء… أخذوا كل شيء”.
حتى المجازر الأخيرة في السويداء، كانت عائلة مروان الخطيب تسكن في رضيمة اللِّوا، قرية صغيرة في ريف السويداء الشمالي، يقدَّر عدد سكانها بنحو 1200 نسمة، بينهم 200 رجل في بلاد الاغتراب، ما يجعل الغالبية من النساء والأطفال والمسنين. و”رضيمة اللِّوا” ليست سوى نموذج لمعظم قرى ريف السويداء.
بدأت المجازر في 13 تموز/ يوليو الماضي، على يد قوات “الأمن العام” ثم بفزعة العشائر، وانتهت بتهجير جميع سكان القرية، وأكثر من ثلاثين قرية سواها في الريفين الشمالي والغربي. أصبح عدد سكان هذه القرى اليوم: صفر، باستثناء مئات الشهداء الذين لم يُحصَ عددهم بدقة حتى الآن، لعدم إمكانية الوصول إليهم في ظل سيطرة قوات الأمن العام والبدو والعشائر. إذ لا تزال جثثهم مرمية تحت الشمس منذ أكثر من شهر، تنهشها الضواري، ولا يستطيع حتى الهلال الأحمر الدخول لدفنها بكرامة. كذلك أُحرقت البيوت والأشجار، ونُهبت المواشي.
كان مروان يعمل مزارعًا في أرضه ويربّي الأغنام، ومعه زوجته ماجدة تركي ريدان، وأبناؤهما شروق وربيع وشهد وسيرين.
سيرين الصغيرة في الثامنة من عمرها، أقرب إلى عمر ابنتَي أخيها ربيع. كانت العائلة تقول على سبيل المزاح، إنها جاءت “بالخطأ”، إذ إن عائلات السويداء تراعي في معظمها قواعد تنظيم الأسرة، ولا تنجب الكثير من الأبناء. كذلك فعل ربيع وزوجته رؤى الأطرش، فأنجبا ابنتين: تالا التي كان من المفترض أن تدخل المدرسة في الخريف، ولامار التي لم تتجاوز السنتين، وكانت لا تزال ترضع. أرادت أمها فطامها قريبًا، لكن الفطام جاء قسريًا بغيابها، بعد استشهادها.
بعيون طفولية شاهدة، رأت تالا ولامار مقتل أبيهما ربيع وأمهما رؤى، ثم جدّهما مروان. قُتلوا جميعًا بالرصاص الحي، عمدًا وعن حقد، من دون ذنب سوى أنهم من طائفة الموحّدين الدروز.
تقول ماجدة، زوجة مروان، الناجية من القتل والعائدة من الاختطاف بعملية تبادل أسرى: “قبل هجوم العشائر علينا، ما كنا عارفين شو نعمل. ما لاقينا سيارة تطلعنا على مكان آمن. كل المداخل محاصرة، لا كهربا، لا مي، لا هاتف، لا بنزين. قلنا: خلص، منبقى ببيتنا، والله ما بيتخلى عنّا. نحنا ناس مسالمين، ومش راح يأذونا. مساء الجمعة 18 تموز، صرنا نسمع الرصاص حوالينا من كل صوب. ظلينا سهرانين متجمعين تحت بيت الدرج، مرعوبين كل الليل، وما منسترجي نتحرّك. لحد الساعة 6 صباح السبت 19 تموز، وصلوا لعنا. ضربوا البيت بقذائف هاون، وكسروا الأبواب. طلعنا عالسطح وسكرنا بيت الدرج ورانا. قال زوجي وابني إنو السطح عالي، ومن فوق فينا ندافع عن حالنا. شفناهم كيف فاتوا وبلشوا يعفّشوا البيت، أخذ منهم وقت شي ساعتين. بعدها سرقوا الغنمات وحطوها بسياراتهم، وبلشوا يحرقوا البيت ويكبوا قنابل لفوق. زوجي قوّس واحد منهم، وبعدين تصاوب. حوالي الساعة 10 الصبح وصلوا لعنا عالسطح. طخوا ابني ووقع، وبعده ما مات، غفت عليه مرته فقتلوها. وأنا بالزاوية، بنات ابني بحضني، وبنتي شهد ماسكة أختها سيرين… شفت ابني عبيلفظ آخر أنفاسه قدامي، وما قدرت قرّب. كانوا كثار، كثار…”.
ظهر ذلك لاحقًا في الفيديو الذي صوّره المهاجمون أنفسهم على سطح المنزل. الدخان وألسنة النار تتصاعد من الباب، وبركة دم واسعة على الأرض: دم ربيع المسجّى، ودم زوجته رؤى الملقاة فوقه، مختلطًا بدم أبيه مروان الذي كان لا يزال حيًّا حتى اللحظة، مستندًا إلى جدار السطح، يده مربوطة بحبل لوقف نزيف إصابته، والأخرى على خده، وجهه يغرق في الذهول والقهر.
قرب الجدار الآخر، جلست ماجدة تحمل حفيدتها لامار، فيما تالا حافية تقف ورجلاها مغمورتان بالدم، وإلى جانبها عمّتها الصغيرة سيرين.
يحاول أحد المهاجمين “طمأنة” ماجدة: “يا إمي… والله إلكن الأمان… قوموا معنا، إذا تركناكن هون راح يذبحوكن… نحنا ما راح نعاملكن مثل ما انتو عاملتونا… لأن ديننا الإسلام بيردعنا!”.
فتجيبه ماجدة بمرارة: “بحياتك اقتلونا، خلونا هون… نموت بحسرتنا هون”.
لكنه يصرّ: “راح تعيشوا… تعالوا معنا أنت والولاد الزغار، أنا راح آخذكم لأحميكن”.
نهضت ماجدة تحمل حفيدتها، فيما تدوس سيرين بقدميها الصغيرتين فوق دم أخيها وزوجته، وتلحق بهما تالا مسرعة قرب جثة والديها. عندها، يسأل أحد المهاجمين مروان: “وأنت ليش رابط حالك؟”.
فتجيبه ماجدة: “متصاوب”… وتكمل سيرها، بينما يظل وجهها ملتفتًا إلى الخلف، تودّع ابنها بنواحٍ يخرج من كبدها: “يا عمري يا إمي…”.
أما المهاجم، فكل قلقه كان منصبًا على أمر آخر: “هلّق ما عرفتوا مين أخذ بارودته لهذا؟”، وهو يشير إلى جثة ربيع.
كان احتراق البيت قد اكتمل، فنصب المهاجمون سلّمًا حديديًا أنزلوا عبره نساء العائلة. يظهر ذلك في فيديو آخر، حيث يُرى أحد المهاجمين وهو يقبّل لامار، الطفلة ذات السنتين، في مشهد أراد إظهاره كفعل حنان. وتبدو سيرين ببلوزتها الخضراء وعينيها المذعورتين، فيما يُظهر أحدهم ظهرها، وهو ما سيُعرف لاحقًا بأنه مكان استقرار شظايا في جسدها. ينهره مقاتل آخر طالبًا منه ترك كل شيء والسير بها. في الوقت نفسه، تظهر تالا ودماءٌ تلطّخ أسفلها، وبولها المنساب يبلّل بيجامتها الحمراء… ولا يُعرف مصير الطفلات بعدها.
لاحقًا، يبثّ مقاتل يُدعى قصيّ الشمّري فيديو عبر صفحته على فيسبوك، برفقة مقاتل آخر طويل الشعر، فيما الصغيرة لامار على حضنه. وفي المقعد الخلفي تبدو ماجدة مرتدية الإيشارب على الطريقة الدرزية، وجهها ملطّخ وعيناها مصبوغتان بالدم، وإلى جوارها ابنتها شهد وقد غطّت رأسها بمنديل، وبجانبها تالا ابنة أخيها. لغة العيون والجسد كلّها كانت تحكي عن مدى الرعب والانكسار الذي يعيشه هؤلاء النساء وصمتهنّ، فيما قصيّ الشمّري يصرخ شاتمًا: “أنت يا هجري يا خنزير، يا كلب، يا خسيس، يا ابن الحرام، خطيئة هذول النساء والأطفال المساكين برقبتك… منشان تنفّذ أطماعك الشخصية…”.
هنا يخرج صوت المرأة ضعيفًا، مرتجفًا، لكنه مسموع، وهي تناشد قائلة: “يا هجري خلّصنا…”.
ولمن لا يعرف، فإن الهجري الذي تناشده المرأة ليس حكمت الهجري، الذي وقع الهجوم على السويداء بذريعة عدم اعترافه بسلطة أحمد الشرع المؤقتة. بل كانت تناشد الشيخ إبراهيم الهجري (1804–1840)، أحد أهم رموز الدروز الدينية محليًا، والذي واجه حملة إبراهيم باشا ضد جبل الدروز حتى دحرها. كان قاضيًا عشائريًا يساند الفلاحين ضد الإقطاع، واشتهر بالصدق والتقوى والأمانة، كما كان خطيبًا وشاعرًا روحانيًا. درج الدروز على الحلف باسمه، وتطلب النساء شفاعته عند الله في الكروب. أما الشيخ حكمت الهجري، سليل أسرته، فقد ورث عنه مشيخة العقل لدى الموحدين الدروز.
في اليوم نفسه، يتسرّب تسجيل صوتي لقصي الشمّري يعرّف فيه عن نفسه قائلًا: “أنا قائد ميليشيا، وعساكري داخل السويداء. أنا مع الإخوة في وزارة الدفاع ننقذ البدو من الدروز اللي قاعدين يحرقوهم هم وبيوتهم. وما عندي أي نيّة سوء أو خطف للنساء (كما صرّح الشيباني بعدم نيته إبادة الدروز). أنا أخذت الأطفال والحريم من الإخوة عن الطريق، لاقيتهم بقرية الصورة الصغرى ماشيين حفايا على الزفت، وحواليهم اشتباكات عنيفة… شفت العجوز إيديها دم، ما طاوعني قلبي. حطّيتهم بسيارتي الخاصة، تويوتا حمرا، وكان معي مقاتل مواليده 2004… (السيارة الحمراء التي ظهرت في الفيديو أمام بيت عائلة مروان، ما يعني أنّه أخذهم من قريتهم لا من الصورة الصغرى). جبتلها دوا من الصيدلية على حسابي، وسلّمتهم للجهات الحكومية بمنطقة المطلة. ما أعرف إن كانت المطلة تتبع للسويداء أو للشام، لكنها نقطة ارتباط خلفية للحكومة وفيها إسعافيات والقيادة. القيادة تواصلوا مع أهلهم وطمنّوهم إنهم بالحفظ والصون، وما حد يمسّهم. ولما انفتح درب عطيناهم للهلال الأحمر”.
ما حدث فعليًا أنّ رجلًا بدويًا من قرية رضيمة اللِّوا، عرف بحق الجيرة والعِشرة مع أهلها، وكان قد ذُكر اسمه سابقًا كوسيط في قضايا تبادل أسرى بين البدو والدروز، تعرّف من الفيديو المبثوث على ماجدة، زوجة مروان. فتواصل مع أخي مروان، النازح إلى شهبا، وأخبره أنّ زوجة أخيه وابنته شهد وحفيدتيه على قيد الحياة. وبما أنّ سيرين لم تظهر في السيارة، ظنّ عمّها أنها قُتلت.
تواصل البدوي مع الخاطفين، وتمكّن بعد ستة أيام من إعادة ماجدة وابنتيها وحفيدتيها إلى السويداء.
لاحقًا، وبعد عودتها من الاختطاف، تقول ماجدة: “قبل أن يُنزلونا عن السطح، أفرغوا مشط رصاصٍ كاملاً في جسد زوجي مروان… وبعد نزولنا، مشيت أنا وبناتي وبنات ابني حفاةً على الشوك. لاقتنا جماعات أرادت ذبحنا، وأخرى أرادت أخذنا للتفاوض بالأسرى، ثم جاء واحد وأخذنا بسيارته “بيك آب” حمراء ذات صفَّين من المقاعد. أجلسنا في الخلف، وقال إنه يريد تصويرنا، وإنه يجب أن نقول إن جماعة الهجري هم الذين اعتدوا علينا، مع أنّه هو وجماعته من قتلونا وشرّدونا”.
تضيف ماجدة: “أخذونا إلى قرية الصورة الكبيرة ليومٍ كامل، ونيّمونا في بيت مهجور لعائلة مسيحية. قلت لهم إنني أريد مشفى لابنتي التي في جسدها شظايا، أو طبيبًا ليفحصها، لكنهم لم يستجيبوا. جاؤونا فقط بضماد من قريبٍ لهم. في ذلك البيت، طوال الليل، كنا نسمع أصوات الرصاص والتكبير حتى المساء. ثم أخذونا إلى حماة. كنا رتل سيارات فيه شباب ونساء مأخوذين مثلنا، كنا كثيرين من الأسرى، ولم نجرؤ على النظر حولنا. وصلونا إلى مدينة حماة ووضعونا في مكان بدا حديث البناء، مهاجع من “البلوك” بلا أي تجهيزات. كانت هناك أصوات خافتة لرجال ونساء، ولم يكن مسموحًا لنا بالكلام مع بعضنا. بقينا عندهم ستة أيام، من 20 إلى 26 تموز، ثم سلّمونا للأمن العام الذي سلّمنا بدوره للهلال الأحمر، فأعادنا الهلال إلى جرمانا، ومنها عبر معبر بصرى الشام إلى السويداء… وبعدها نزحنا إلى أقاربنا”.
ثم يبرز السؤال: لماذا جعلوا من حماة مركزًا لتجميع المخطوفات والمخطوفين، كما تُظهر المعلومات المتقاطعة عن أسيراتٍ من الساحل السوري والسويداء؟ أهو بسبب موقعها الجغرافي، في منتصف المسافة تقريبًا بين جبلي العرب والساحل، لتكون نقطة “تحكم مركزي” تُرسم فيها مصائر المختطفات والمختطفين من كلَي المكانين، وتنطلق منها عمليات المفاوضات والتبادل؟ أم لبُعدها عن دمشق، ليتنصّل الشرع من تهمة احتكاره مفاصل القرار في العاصمة؟ أم لأن حماة هي مدينة الشيشكلي الذي اجتاح السويداء بالجيش العربي السوري إبان حكمه لإذلال الدروز؟ أوسؤالٌ آخر: ماذا لو لم يتعرّف ذلك البدوي الأصيل على ماجدة، زوجة مروان، ويتوسّط لها ولبناتها وحفيداتها؟ كم كانت ستبقى مغيّبة؟ وهل كانوا سيطلقون سراحها حقًا أو يُعرف عنها أي خبر؟
إنه حال نساء كثيرات، مغيّبات قسرًا من الساحل السوري، من السويداء، ومن مناطق سورية أخرى تهاجمها ميليشيات الجولاني التكفيرية بهدف إبادة أهلها وكل من لا يشبه صورة “سوريا المفيدة” بالنسخة التي يحلم بها الجولاني ويعمل على إنجازها، مجزرةً تلو مجزرة.
وُثِّقت حالة آل الخطيب لدى محققين متخصصين بالشأن السوري يتبعون للأمم المتحدة في جنيف، وقد أخذوا شهادة ماجدة وابنتها شهد كاملة.
اختتمت شهد شهادتها قائلة: “كنتُ طالبة في المعهد المصرفي بدمشق… هجموا وقتلوا أخي وزوجته وأبي، وأحرقوا بيتنا… خسرتهم جميعًا، وخسرت دراستي وكل شيء. وفوق ذلك، أسرونا لكي يفاوضوا علينا في عملية التبادل… لم يبقَ لدينا شيء… أخذوا كل شيء”.



