الحصن: بين الحجر والزمن

بقلم أحمد عبيدات
الحصن: بين الحجر والزمن
في الشمال الأردني،
حيث يلتقي الحجر بالتراب،
وتتمايل التلال بين السماء والأرض،
ترتخي المدن والقرى كحبات عقد قديم على صدر الزمن،
بين التلال والسهول،
تتشابك الطرق كما تتشابك خيوط الضوء مع الغيوم عند الشروق،
كل خطوة تحمل عبق التاريخ،
وكل حجر يحمل صدى أقدام من سبقوا العابرين،
وبين أزقة الحصن القديمة تتسلل أصوات الأطفال،
يركضون بين البيادر،
ترفرف حولهم أسراب الطيور،
وتتصاعد الضحكات إلى السماء كما لو أنها تشارك الشمس إشراقها.
الحصن ترتفع كجوهرة قديمة بين أحضان السهل،
تل يرفع رأسه عالياً، يتحدى الزمن،
ويشهد على القرون التي انقضت،
كان القدماء يعرفونها باسم هيبوس،
مدينة مزجت بين الحجارة المنحوتة والصمت الممتد،
بين الريح والرجال الذين مروا عليها وتركوا بصماتهم على جدرانها وأزقتها،
وبين السوق الصغير يسمع صوت الباعة وهم ينادون على بضاعتهم،
صوت دقات الخشب عند أبواب البيوت،
ورائحة الخبز الطازج تمتزج مع عبق الأرض والرطوبة التي تلتصق بالحجارة في الصباح الباكر.
سهل يلتف حول المدينة،
يشبه البحر حين يتراءى للعين،
مغطى بالقمح والشعير والكروم والزيتون،
في مواسم الحصاد تتحول السهول إلى مسرح ذهبي،
تلمع السنابل تحت الشمس،
تعلو أصوات الفلاحين والنساء والأطفال الذين يركضون بين البيادر،
يغنون أهازيج قديمة تعلموها عن آبائهم وأجدادهم،
يصيح الأطفال ويضحكون،
تتخللهم صرخات الطيور،
والحياة هنا متصلة بالأرض،
والناس عاشوا في انسجام مع فصولها،
يتعاونون ويشاركون بعضهم بعضًا،
كأن الأرض أمّهم جميعًا،
هذا السهل المفتوح، هذا الامتداد الذهبي،
شعورٌ بالحرية والدهشة ينسكب على القلوب كما ينسكب الضوء على السنابل.
في أزقة الحصن الغربية القديمة،
البيوت الحجرية الصامدة كصدور الأمهات،
التاريخ ينطق بصمت،
السوق يفتح أبوابه مع أول شعاع الشمس،
الباعة ينادون على بضاعتهم،
والمقاهي تمتلئ بالرجال الذين يشربون القهوة الثقيلة ويدخنون الأراجيل،
يتخلل حديثهم أخبار الحقول والسياسة،
وأحيانًا حكايات من الماضي البعيد،
وفي ركن من السوق تتسلل رائحة النبيذ من جرة صغيرة في بيت أحد التجار،
تفوح كأنها رسالة من الزمن الماضي،
تدعوك لتتذكر البهجة والسرور التي عاشها أهل الحصن قبل عقود طويلة،
الرائحة تختلط مع أصوات خطوات النساء والرجال،
مع هدير الريح بين السنابل،
مع اصوات العصافير في المساء.
أما الجزء الشرقي فقد امتد العمران الحديث فيه،
لكن الغرب ظل محتفظًا بروحه القديمة،
كأن الزمن لم يجرؤ أن يمحو ذاكرة الحجر،
وفي قلب هذه المدينة عاش الفيلسوف الأردني أديب عباسي،
لم يكن مجرد ساكن،
بل حضور صامت يتنفس من بين البيوت الحجرية،
يطل على السهول كأنه يحاور الزمن نفسه،
العزلة رفيقته،
لكنه لم يكن وحيدًا،
كل حجر وكل شارع وكل شجرة تشاركه صمته،
تستجيب لتأملاته،
كل حركة للريح أو ضوء الشمس،
أو حتى صوت الأطفال في الأزقة،
يبدو وكأنه جزء من حواره الداخلي،
جزء من صمته النابض بالحياة.
عباسي كان يسير بين الأزقة الضيقة،
يلمَس الحجارة الباردة بأطراف أصابعه،
يقرأ فيها تاريخ من مضى،
وفي قلبه يختلط عبق الأرض برائحة النبيذ المخزن في الجرار القديمة،
وكأن كل نفحة تذكره بأن الحياة، رغم صمتها أحيانًا،
تحمل معها سرورًا مختبئًا في التفاصيل البسيطة،
رحل عباسي، لكن أثره بقي في المدينة،
كطيف يطل من التل القديم،
يذكّر كل من عرفه أو قرأ عنه أن الفكر لا يُقاس بظهوره،
بل بعمقه،
وأن الثقافة الحقيقية هي تلك التي تزرع في القلوب بذورًا قد تنمو بعد رحيل صاحبها.
حين تغادر تل الحصن،
تجد نفسك بين أحضان قرية صغيرة، هادئة لكنها نابضة بالذاكرة،
هنا لا تزال البيوت الحجرية القديمة تصدح بصمتها،
تتكئ على بعضها كما تتكئ الأجيال على الماضي،
الأزقة ضيقة، الطرق متعرجة،
والأبواب مصنوعة من خشب يروي قصصًا عن أيدي عملت فيه منذ عقود،
لكنه ما زال صامدًا، كأنها تحرس حكايات أهلها،
وكل نفحة من رائحة النبيذ المخزون في الدهاليز القديمة تدعوك لتتذكر أن الحياة هنا كانت دائمًا متشابكة بين العمل والفرح والصمت العميق،
وكل ضحكة طفل، وكل همسة نسيم، وكل خفقة قلب هنا،
تبدو وكأنها تكتب مع الحجارة حكاية لا تنتهي.
والحياة في الحصن تستمر،
كما لو أن الزمن نفسه توقف للحظة،
يتأمل ويبتسم،
يستمع للريح، لأصوات الأطفال، لنقيق الضفادع، لصرخات الطيور،
ولرائحة النبيذ في الجرار القديمة،
كل شيء هنا يحكي، كل شيء يهمس، كل شيء يذكّر أن البشر، والحجر، والريح، والسنابل، والنبيذ، والأفكار، والذكريات، كلها جزء من نسيج واحد لا يُمزق،
وأن الصمت أحيانًا أبلغ من الكلام،
وأن الوجود الحقيقي هو أن تكون حاضرًا في كل تفاصيل الحياة،
كأنك طيف يمرّ، لكنه يترك أثره،
كأن الحصن نفسه يروي الحكاية بعد رحيل عباسي،
وتبقى الأزقة والحجارة والسهول والريح والسنابل تحرس هذا الصمت،
هذا الهدوء، هذه الحياة التي لا تنتهي.



