منبر الكلمة

سحب السيارات من مدراء الدوائر الحكومية… قرار بلا ملامح واضحة

 

عدنان نصّار

في توقيتٍ تشتدّ فيه الحاجة إلى الوضوح، خرج قرار سحب السيارات من مدراء الدوائر الحكومية كخطوةٍ يصعب وضعها في إطارٍ محدد؛ فلا هو تقشّفٌ مكتمل الملامح، ولا هو إصلاحٌ إداريّ واضح الأهداف، ولا حتى رسالةٌ سياسيةٌ مفهومة الاتجاه.
القرار، في ظاهره، قد يبدو استجابةً لضغطٍ شعبيٍّ متزايد يطالب بترشيد الإنفاق الحكومي، لكن عند التمحيص، تتكشّف فجوةٌ بين الشكل والمضمون. فهل تُختصر سياسات التقشف في سحب مركباتٍ من مسؤولين يُفترض أنهم في موقع خدمةٍ يومية تتطلب الحركة والتنقل؟ وهل تُقاس كفاءة الإدارة العامة بعدد السيارات المصادرة أم بجودة القرار وسرعة الإنجاز؟
مدراء الدوائر الحكومية ليسوا موظفين عاديين، بل هم في قلب العمل التنفيذي، يتنقلون بين الميدان والمكتب، بين المواطن والملف، وبين الأزمات اليومية والحلول المؤجلة. السيارة، في هذا السياق، ليست امتيازًا ترفيًّا بقدر ما هي أداة عمل، تُسهّل الوصول وتختصر الوقت وتُعزّز الفاعلية. وعندما تُسحب هذه الأداة دون بدائل واضحة، فإننا لا نوفّر بقدر ما نُعطّل.
الأخطر من ذلك، أن مثل هذه القرارات قد تُرسل رسائل خاطئة؛ رسالة للموظف بأن الدولة لا تثق به، ورسالة للمواطن بأن الإصلاح يُختزل في إجراءاتٍ شكلية، لا تمسّ جوهر الخلل الحقيقي. فالمشكلة في الإدارة العامة ليست في المركبات، بل في ترهّل بعض الهياكل، وضعف المساءلة، وتداخل الصلاحيات، وأحيانًا غياب الرؤية.
وإذا كان الهدف هو التقشف، فالأولى أن يكون شاملًا وعادلًا، يبدأ من مكامن الهدر الكبرى، لا من تفاصيل قد تُربك العمل أكثر مما تُصلحه. أما إذا كان الهدف هو إعادة تنظيم الامتيازات، فذلك يتطلب دراسةً دقيقة تفرّق بين ما هو حق وظيفي وما هو فائض غير مبرر.
ثمّة سؤالٌ مشروع يفرض نفسه: هل تمّ تقييم أثر هذا القرار على سير العمل؟ وهل هناك بدائل لوجستية تضمن استمرار الأداء بالكفاءة ذاتها؟ أم أننا أمام قرارٍ اتُّخذ على عجل، ليُقال إن شيئًا ما قد تغيّر؟
في الدول التي تسعى لإصلاح إدارتها، لا تُنتزع الأدوات من المسؤولين، بل تُربط بالصلاحيات وتُحاسب بالنتائج. فالمعيار الحقيقي ليس ما يملكه المدير من وسائل، بل ما يحققه من إنجازات.
في النهاية، لا أحد يُدافع عن الترف أو الهدر، لكن من حق الإدارة أن تمتلك أدواتها، ومن حق المواطن أن يرى إصلاحًا حقيقيًا لا رمزيًا. وبين هذا وذاك، تبقى الحاجة ملحّة لقراراتٍ أكثر عمقًا، تُخاطب العقل قبل الشارع، وتُصلح الجذور بدل الاكتفاء بقصّ الأطراف.
فالهيبة لا تُبنى بسحب سيارة… بل ببناء إدارةٍ قادرة، عادلة، وشفافة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى