
45 دقيقة في بيت المواطن.. حين تتحول الإحصاءات إلى اقتحام للخصوصية
عدنان نصّار
ليس كل ما يمكن أن يُسأل عنه المواطن، يحق لأحد أن يسأله عنه، وليس كل باب يُطرق باسم الدولة يصبح فتحه واجباً على صاحبه.
التصريحات الأخيرة لمدير دائرة الإحصاءات العامة حول الزيارات التي يقوم بها العاملون إلى بيوت المواطنين، والمكوث فيها لنحو 45 دقيقة، أثارت أكثر من علامة استفهام، ليس حول أهمية العمل الإحصائي ودوره في رسم السياسات العامة فحسب، وإنما حول حدود العلاقة بين الدولة وخصوصية المواطن داخل منزله.
نحن ندرك تماماً أن الإحصاءات ضرورة للدولة، وأن التخطيط الاقتصادي والاجتماعي السليم يحتاج إلى أرقام دقيقة ومعلومات موثوقة. ولا أحد يعترض على أن تعرف الدولة مؤشرات الفقر والبطالة والدخل والتعليم والصحة وغيرها من المؤشرات التي تساعدها في اتخاذ قرارات أفضل.
لكن المشكلة تبدأ عندما يشعر المواطن أن بيته أصبح مساحة مفتوحة للاستجواب، وأن عليه أن يستقبل موظفاً أو أكثر، ويجلس معهم قرابة ثلاثة أرباع الساعة، ويجيب عن أسئلة قد تكون في نظره شديدة الخصوصية، لمجرد أن الجهة الطارقة تحمل صفة رسمية.
البيت ليس دائرة حكومية.
هذه الحقيقة ينبغي ألا تغيب عن أي مسؤول.
فالمنزل بالنسبة للمواطن ليس مجرد عنوان في سجل الإحصاءات، وإنما هو آخر مساحة يشعر فيها بالأمان والخصوصية والحرية. وفي البيوت الأردنية خصوصية اجتماعية وثقافية عميقة، لا يجوز التعامل معها وكأنها تفصيل إداري هامشي.
ثم إن الحديث عن المكوث 45 دقيقة داخل منزل المواطن لا ينبغي أن يمر باعتباره رقماً عادياً. فالوقت الطويل داخل بيت شخص غريب، وخصوصاً عندما يكون الحديث حول أوضاعه المالية والاجتماعية والعائلية، يمكن أن يتحول من عملية جمع بيانات إلى تجربة يشعر فيها المواطن بالحرج أو الضغط أو حتى الإكراه المعنوي.
والأخطر من ذلك هو لغة التصريحات نفسها.
المسؤول حين يتحدث عن المواطن يجب أن ينتبه إلى أن المواطن ليس رقماً في جدول، ولا خانة في استمارة، ولا مجرد “عينة” في مسح إحصائي. إنه إنسان له كرامته وخصوصيته ومخاوفه وحساسيته، ومن حقه أن يفهم لماذا تُطلب منه هذه المعلومات، وكيف ستُستخدم، ومن يملك حق الاطلاع عليها.
كان الأولى أن تكون الرسالة الرسمية للمواطن واضحة ومطمئنة:
نحن نحتاج معلوماتك، لكننا نحترم خصوصيتك.
نطرق بابك، لكننا لا نقتحم حياتك.
نسألك، لكننا لا نضغط عليك.
ونجمع البيانات، لكننا لا ننتزع كرامتك.
الدولة القوية لا تقاس فقط بقدرتها على الوصول إلى بيوت مواطنيها، وإنما بقدرتها على احترام تلك البيوت عندما تصل إليها.
ولذلك، فإن الحديث عن الإحصاءات يجب أن يرافقه حديث موازٍ عن الخصوصية والكرامة والموافقة الواعية. فالهدف من الإحصاء أن يخدم الإنسان، لا أن يجعله يشعر بأنه تحت المراقبة.
نحن بحاجة إلى أرقام دقيقة، نعم.
لكننا بحاجة أيضاً إلى خطاب رسمي دقيق ومحترم.
فالمواطن الذي يفتح باب بيته لموظف رسمي يستحق أن يشعر أنه يتعاون مع دولته، لا أنه يتعرض لعملية تفتيش في حياته الخاصة.
وهنا تحديداً تقع مسؤولية المؤسسات الرسمية: أن تجعل المواطن شريكاً في عملية جمع المعلومات، لا مجرد موضوع لها.
فإذا كانت الدولة تريد أن تعرف أحوال الناس، فعليها أولاً أن تعرف كيف تحترمهم.
