منبر الكلمة

هل تكفي زيادة 30 ديناراً لمواجهة الضغوط الاقتصادية؟

بقلم أ.د. عاطف البواب

بعد ايام قليلة سوف يتقاضى الشعب الاردني الراتب الشهري من الحكومة كما هو متعارف عليه، ولنرى ماذا سيكون رد الشارع الاردني على الزيادة التي قررتها الحكومة على الرواتب. منذ جائحة كورونا عام 2020، واجه الاقتصاد الأردني تحديات غير مسبوقة انعكست بصورة مباشرة على مستوى معيشة المواطنين. فالإغلاقات التي رافقت الجائحة، وتعطل سلاسل التوريد العالمية، ثم الحرب الروسية الأوكرانية وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، كلها عوامل دفعت نحو ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع القوة الشرائية للأسر الأردنية.

تشير البيانات الاقتصادية إلى أن معدلات التضخم في الأردن ارتفعت بشكل ملحوظ بعد الجائحة، حيث تجاوز التضخم في بعض السنوات حاجز 4%، قبل أن يتراجع تدريجياً ليستقر عند مستويات أقل خلال عام 2025، إذ بلغ متوسط التضخم السنوي نحو 1.77%. ورغم أن هذه النسبة تبدو منخفضة مقارنة بدول أخرى، إلا أن المواطن الأردني لا يقيس التضخم بالأرقام الرسمية فقط، بل بما يدفعه يومياً مقابل الغذاء والسكن والنقل والخدمات الأساسية.

أما البطالة، فقد بقيت واحدة من أبرز التحديات الاقتصادية. فبعد أن تجاوزت خلال سنوات الجائحة مستويات 24%، بدأت بالانخفاض تدريجياً، إلا أنها ما تزال مرتفعة مقارنة بالمعدلات العالمية. وتشير أحدث البيانات إلى أن معدل البطالة الكلي بلغ نحو 16.2% خلال عام 2025، وهو ما يعني استمرار وجود عشرات الآلاف من الباحثين عن العمل، خاصة بين الشباب والنساء.

وفي محاولة للتخفيف من آثار ارتفاع تكاليف المعيشة، قرر مجلس الوزراء مؤخراً زيادة رواتب موظفي القطاع العام والمتقاعدين المدنيين والعسكريين الذين تقل رواتبهم عن 600 دينار بمقدار 30 ديناراً شهرياً. وتُعد هذه الزيادة خطوة إيجابية من الناحية الاجتماعية، خصوصاً للفئات ذات الدخل المحدود التي تأثرت بشكل كبير بارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية.

 

لكن عند النظر إلى الأرقام بصورة أعمق، يتضح أن زيادة 30 ديناراً تعادل 5% فقط لمن يتقاضى راتباً قدره 600 دينار، بينما ترتفع النسبة إلى 10% لمن يتقاضى 300 دينار. ورغم أهمية هذه الزيادة، فإنها لا تعوض بالكامل الارتفاع التراكمي في تكاليف المعيشة الذي شهدته المملكة منذ عام 2020، خاصة في قطاعات الغذاء والإسكان والخدمات الأساسية.

ويبقى السؤال المطروح: لماذا لم تشمل الزيادة متقاعدي مؤسسة الضمان الاجتماعي؟ سيكون الجواب بأنه يعود ذلك إلى أن متقاعدي الخدمة المدنية والعسكريين تُدفع رواتبهم مباشرة من خزينة الدولة، وبالتالي تستطيع الحكومة تعديلها بقرار مالي وإداري. أما رواتب متقاعدي الضمان الاجتماعي فتُدفع من أموال صندوق الضمان الاجتماعي الذي يتمتع باستقلال مالي وإداري، وتخضع الزيادات فيه لأحكام قانون الضمان الاجتماعي والدراسات الاكتوارية المتعلقة باستدامة الصندوق وقدرته على الوفاء بالتزاماته المستقبلية. لذلك لا تستطيع الحكومة من الناحية القانونية والإدارية فرض زيادة مباشرة على رواتب متقاعدي الضمان دون وجود أسس قانونية وتمويل يضمن عدم التأثير على المركز المالي للصندوق.

وعلى الرغم من أهمية الزيادة الحكومية الأخيرة، فإن تحسين مستوى المعيشة بصورة مستدامة يتطلب معالجة أعمق تتمثل في خلق فرص عمل جديدة، وخفض معدلات البطالة، وتحفيز الاستثمار، ورفع مستويات الأجور بما يتناسب مع الزيادة المستمرة في تكاليف الحياة. فالمواطن لا يحتاج فقط إلى دعم مؤقت، بل إلى نمو اقتصادي ينعكس بصورة مباشرة على دخله وقدرته الشرائية.

 

زر الذهاب إلى الأعلى