
ضعف الاقتصاد يقمع فاتورة الدفاع البريطانية… إليك التفاصيل
افاق نيوز – تنقل استقالة وزير الدفاع البريطاني جون هيلي ملف الدفاع من لغة التعهدات إلى حسابات الخزانة. فبريطانيا التي ترفع سقف طموحاتها العسكرية وسط حرب أوكرانيا، وتصاعد التحذيرات من التهديد الروسي وضغط الخدمات العامة وكلفة المعيشة، تجد نفسها أمام كلفة أمنية لا يمكن تأجيلها أو تغطيتها بالخطاب السياسي وحده. فبريطانيا التي تتحدث عن رفع الإنفاق الدفاعي في عالم أكثر اضطراباً تجد نفسها الآن أمام لحظة الحساب: تحويل التعهدات إلى أرقام ممولة وتحديد الثمن السياسي والاجتماعي لهذه الخيارات.
فالمال لن يظهر من فراغ، إما أن يأتي من ضرائب أعلى وإما من اقتراض لا ترغب الحكومة في توسيعه أو من إعادة ترتيب قاسية للإنفاق العام، بما قد يطاول الرعاية والخدمات.
ويرد البروفيسور مايكل كلارك، أستاذ الدراسات الدفاعية الزائر في جامعة كينغز كوليدج لندن، على أسئلة “العربي الجديد”، قائلاً إن الطموحات الدفاعية البريطانية وُضعت بوضوح في المراجعة الدفاعية الاستراتيجية لعام 2025، وكانت “صعبة لكنها واقعية تماماً”. غير أن الفشل في تمويل متطلبات هذه المراجعة ضمن الإطار الزمني الذي حددته لعشر سنوات يمثل، في رأيه، “فشلاً مباشراً في القيادة الوطنية”.
يوضح كلارك، في رده على “العربي الجديد”، أن الحكومة قبلت التوصيات الـ62 التي وردت في المراجعة الدفاعية، وأن الجميع توافقوا على أن الطموحات التي تضمنتها كانت ضرورية وصائبة. لكنه يرى أن المشكلة تكمن في أن الحكومة “فشلت ببساطة في إيجاد المال” اللازم لتلبية هذه المتطلبات. بهذا المعنى، لا تعود استقالة هيلي مجرد اعتراض سياسي، بل تصبح إشارة إلى عجز عن تمويل ما تعترف الحكومة نفسها بأنه ضروري للأمن القومي.
تزداد حساسية تعليق كلارك حين ينتقل إلى الكلفة الاجتماعية. فهو يرى أن الرأي العام البريطاني بات مدركاً إلى حد كبير لمستوى التهديد الروسي، ولذلك لم تعد الحكومة في حاجة إلى بناء الحجة الأمنية من البداية. لكن ما لم يحدث، بحسبه، هو نقاش وطني جدي حول التضحيات اللازمة لدفع كلفة مستويات الدفاع التي يفهم الجمهور أن البلاد تحتاج إليها. يرى كلارك أن التضحية الحقيقية تكمن في المفاضلة بين ميزانية الرعاية الاجتماعية المتنامية واحتياجات سياسة دفاعية ممولة بالكامل. ويقول إن هذا النقاش تعثر عندما تراجعت الحكومة عن ملف مدفوعات وقود الشتاء، ثم عن إعادة هيكلة أكثر طموحاً لميزانية الرعاية الاجتماعية.
وبما أن الحكومة لم تواجه هذه القضية، يرى أنه لم يعد ممكناً الآن إجراء مقايضة منطقية بين الدفاع ومجالات أخرى من الإنفاق العام. يستبعد كلارك الاعتماد على مزيد من الاقتراض، معتبراً أن هذا الخيار “مستبعد بحق”، ليبقى رفع الضرائب بديلاً آخر، لكنه يحذر من أن ذلك ستكون له آثار “مبردة” على بقية الاقتصاد. ومن هنا، يتوقع أن تضطر الحكومة على المدى الطويل إلى العودة إلى إصلاح الرعاية الاجتماعية باعتباره جوهر مشكلة الموارد في ملف حرج ومكلف مثل الدفاع. ويكتسب خروج هيلي من الحكومة أهميته لأنه ينقل النقاش من مستوى الوعود إلى مستوى الكلفة.
فالوزير المستقيل لا يثير خلافاً عابراً حول بند في الموازنة، بل يضع الحكومة أمام فجوة بين ما تعلنه عن حاجات بريطانيا الأمنية وما تستطيع تخصيصه فعلياً لها. هذه الفجوة هي ما يجعل الملف اقتصادياً بامتياز، لأن كل زيادة في الإنفاق الدفاعي تحتاج إلى مصدر تمويل واضح، لا إلى خطاب سياسي فقط.
يعطي رأي كلارك للأزمة بعدها الأكثر حساسية داخل بريطانيا. فالمسألة لم تعد مرتبطة بجاهزية الجيش وحدها، بل بقدرة حكومة عمالية على تمويل سياسة دفاعية طموحة من دون إثقال كاهل الأسر، أو المساس ببرامج الرعاية الاجتماعية التي تشكل جزءاً من هويتها السياسية. يرى كلارك أن حزب العمال، بحجمه البرلماني الكبير وجذوره الطبقية العاملة، قد يكون في موقع أفضل من غيره لقيادة إصلاح في نظام الرعاية الاجتماعية.
لكنه يضيف أنه في الوقت نفسه الحزب الأقل استعداداً سياسياً للقيام بذلك حالياً، بسبب تردد نوابه في تقديم رؤية وطنية شاملة على حساب الحالات الفردية والصعوبات المحلية التي يشعرون بالالتزام تجاهها.
ويقول إد أرنولد، الزميل المشارك الأول في المعهد الملكي للخدمات المتحدة (RUSI)، في تعليق لـ”العربي الجديد”، إن استقالة هيلي تمثل “لحظة زلزالية” للحكومة ووزارة الدفاع. ويرى أن الاستقالة تخلق للحكومة سلسلة من الصعوبات السياسية، تبدأ بالبحث عن بديل، ولا تنتهي بمحاولة نشر خطة الاستثمار الدفاعي المؤجلة. يشير أرنولد إلى أن الاستقالة ستجعل من الصعب على هذه الحكومة والحكومات اللاحقة التراخي في ملف الإنفاق الدفاعي، لأنها تمنحه اهتماماً عاماً أكبر مما يمكن أن يحققه أي خطاب سياسي.
ويضيف أن أثرها لن يبقى محصوراً داخل وايتهول أي شارع المباني الحكومية في بريطانيا، إذ ستكون لها تداعيات دولية حادة مع اقتراب قمة حلف شمال الأطلسي. كما يرى أرنولد أن استقالة هيلي تمثل حالة نادرة لوزير كبير يتخذ موقفاً مبدئياً ضد “تفريغ” القوات المسلحة البريطانية، بدلاً من الاكتفاء بالشكوى من ذلك بعد مغادرة المنصب. ويرى أن فترة هيلي في وزارة الدفاع ركزت على الإصلاح، لكن المشكلات بقيت قائمة، لأن الوزارة تحتاج إلى تحول ثقافي عميق كي تصبح أكثر فاعلية في عالم يزداد قتامة.
ويأمل أن تكون الاستقالة حافزاً لإصلاحات أوسع ومزيداً من المساءلة والشفافية وردماً للفجوة بين الخطاب والواقع التي لازمت الدفاع البريطاني لعقود.
من جهته، يقول البروفيسور كيفن رولاندز، رئيس تحرير دورية المعهد الملكي للخدمات المتحدة، في ردّه على استفسارات “العربي الجديد”، إن تأخر خطة الاستثمار الدفاعي كان يضعف بالفعل صدقية الحكومة في ملف الدفاع، لكن استقالة هيلي “فتحت ثغرة كبيرة” في هذه الصدقية. ويضيف أن النتيجة المباشرة لا تقتصر على الإحراج السياسي للحكومة، بل تشمل خسارة كبيرة في اليقين التخطيطي في وقت تحتاج فيه القوات المسلحة البريطانية ووزارة الدفاع والصناعة إلى وضوح بشأن ما سيموَّل ومتى. تكشف هذه النقطة الجانب الصناعي والاقتصادي للأزمة. فالصناعات الدفاعية تحتاج إلى عقود طويلة وموازنات يمكن التنبؤ بها، ومن دون هذا اليقين تتأجل قرارات الشراء وتتريث الشركات وتتأثر سلاسل الإمداد والتدريب وتنمية المهارات.
يصف رولاندز تأخر خطة الاستثمار الدفاعي بأنه تحول إلى ما يشبه “النكتة غير المضحكة”، لكنه يرى أن استقالة وزير الدفاع ليست أمراً مضحكاً على الإطلاق. فبحسبه، يعرف هيلي التهديدات التي تواجهها بريطانيا، ويعرف قدرات القوات المسلحة ونواقصها، وإذا كان يعتقد أن التسوية المالية غير كافية للحفاظ على أمن البلاد، إلى درجة أنه لا يستطيع البقاء في منصبه بضمير مرتاح، “فنحن في ورطة”.
وتأتي الأزمة قبل قمة حلف شمال الأطلسي، وفي ظل استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التحذيرات من التهديد الروسي، ما يجعل الإنفاق العسكري جزءاً من اختبار صدقية بريطانيا أمام حلفائها. غير أن الطموح الدفاعي يصطدم بواقع مالي ضيق، حيث تحاول الحكومة الحفاظ على قواعدها المالية وتجنب انفلات الاقتراض والاستجابة في الوقت نفسه لضغوط داخلية على الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية.
وزاد الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة وإيران لوقف الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز من تعقيد المشهد لا من تبسيطه. فتراجع أسعار النفط وتحسن مزاج الأسواق يمنحان لندن متنفساً اقتصادياً قصيراً، لكنه لا يبدد سؤال الجاهزية الدفاعية، خصوصاً أن تفاصيل التنفيذ وأثره على الشحن وسلاسل الإمداد لم تتضح بالكامل بعد.
فقد أظهرت الأزمة، حتى مع بوادر التهدئة، كيف يمكن لتوتر بعيد جغرافياً أن يضغط على الطاقة والتضخم وسلاسل الإمداد، وأن يعيد طرح الإنفاق العسكري بوصفه جزءاً من أمن الاقتصاد لا من حسابات وزارة الدفاع وحدها. ويزيد تولي دان جارفيس حقيبة الدفاع من حساسية المرحلة، لأن مهمته الأولى لا تبدو عسكرية فقط، بل مالية أيضاً: إعادة تثبيت الثقة داخل وزارة الدفاع والصناعة والحلفاء، في وقت لا تزال فيه الحكومة مطالبة بتوضيح ما سيموَّل، وما سيؤجَّل، ومن سيدفع الكلفة.
