QFEX 2026
منبر الكلمة

نصير يكتب : بعد الاستثنائية… ماذا بقي من صوت المجلس؟

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

فضّت الدورة الاستثنائية لمجلس الأمة أوراقها، وطوت حزمة قوانين مفصلية من الإدارة المحلية إلى الملكية العقارية وإلغاء المؤسسة الاستهلاكية المدنية، وانتهت المهمة التشريعية كما أُريد لها، لكنها تركت خلفها سؤالاً يتردد في الشارع: ماذا استفاد المواطن الأردني من كل هذه الخطابات والبطولات تحت القبة؟

 

من تابع الجلسات ظنّ للوهلة الأولى أن مشاريع قوانين الحكومة تصطدم بجدار نيابي صلب من خطابات نارية واعتراضات حادة ومطالبات صريحة بالرد والتعديل، وهو مشهدٌ يحيي الأمل بأن القانون لن يمرّ بسهولة دون تعديلات، لكن ما إن يُرفع خيار التصويت حتى تختفي كل تلك البطولات في كلمة واحدة هي “موافقة”.

 

ففي مشروع قانون الإدارة المحلية اعتلى المنبر زهاء تسعين نائباً، وتوالت انتقاداتهم وملاحظاتهم ليتوقع الجميع موقفاً حاسماً، لكن القانون مرّ بمواده السبعين وبالأغلبية، وهنا يصبح السؤال واجباً: إذا كان الاعتراض ينتهي دائماً بالموافقة فلماذا استعراض العضلات الشعبوي من الأساس؟

 

أما قانون الملكية العقارية فقدّم درساً أكثر غرابة في السلوك البرلماني، حيث احتدم الجدل حول إدخال السكك الحديدية ضمن تعريف الطريق وما يترتب عليه من استملاكات وتعويضات، واشتعلت القبة بالتحذيرات، ثم صوّت المجلس بالموافقة، ليعود عشرات النواب بعدها ويوقّعوا مذكرة تطالب بإعادة فتح المادة التي صوّتوا هم أنفسهم لصالحها، وعند التصويت مجدداً رفض المجلس المذكرة بالأغلبية.

 

والمفارقة الأكبر أن هذه المخاوف لم تكن وهمية، بل التقطها مجلس الأعيان المعيّن وناقش حقوق المواطنين والتعويض العادل وجهاً لوجه، واضعاً توصيات لحماية حقوق الناس، ليقف الشارع أمام مشهد يدعو للتأمل: كيف يكون مجلس الأعيان أكثر إصغاءً من مجلس نواب يُفترض أنه جاء بصناديق الاقتراع لتمثيله؟

 

الأزمة هنا ليست في الحكومة لأنها تمارس دورها الطبيعي في التخطيط والدفاع عن مشاريعها، بل المشهد الناقص هو دور مجلس النواب الذي يُفترض أنه السلطة الرقابية والتشريعية المُعدِّلة، فالمواطن لم ينتخب نائبه ليشاهد له مقطع فيديو بعنوان “النائب فلان يهاجم الحكومة” بينما تخرج الحكومة من القبة بالحصيلة ذاتها دون تعديل حرف واحد.

 

البرلمان القوي لا يُقاس بمدى الخطابة وارتفاع الصوت، ولا يُقاس بعدد المداخلات، بل يقاس وينال الثقة والاحترام بعدد القوانين التي أُجبرت الحكومة على إعادة حساباتها فيها، ولكن حين يتحول الاعتراض إلى فقرة استعراضية قبل رفع الأيدي للموافقة يفقد العمل البرلماني معناه.

 

فضّت الدورة، وخرجت الحكومة بأكثر مما كانت تتوقعه، وخرج النواب بمقاطع الفيديو الخاصة بهم، فبماذا خرج المواطن؟

 

إن الخطر الحقيقي لا يكمن في انتقاد أداء المجلس، بل الأخطر أن يصل المواطن إلى قناعة بأن النتيجة محسومة مسبقاً مهما كان حجم الضرر.

 

فُضّت الدورة، ومرّت القوانين، وانفضّ السامر، ويبقى السؤال بغير إجابة: إذا كان النائب يعترض أمام الإعلام ويصوّت مع الحكومة، فأين هي ثقة المواطن؟

زر الذهاب إلى الأعلى