QFEX 2026
منبر الكلمة

نصير يكتب : الإقالة ليست نهاية الحكاية بل بدايتها

 

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

حين يُقال وزير، أو أكثر ، لا ينتهي السؤال عند لحظة رحيله عن المنصب، بل يبدأ منها، فالمواطن الأردني لم يعد يكتفي بمشهد الإقالة، بل صار يسأل هل هذا بداية نهج جديد في المحاسبة، أم حالة واحدة تنتهي بانتهاء الجدل؟؟؟

الحكومة قالت إن سبب الإقالة تطبيق مدونة السلوك ومنع تضارب المصالح، وهذا كلام مهم لأنه يقول إن المسؤول ليس بمنأى عن المحاسبة مهما كان موقعه، لكنه في الوقت ذاته يفتح سؤالاً أكبر يتردد اليوم في الشارع الاردني وهو هل سينطبق هذا المعيار على الجميع كلما توفرت الوقائع؟
أم سيبقى مرتبطاً بملفات محددة دون غيرها؟

خلال الفترة الماضية، لم تكن التساؤلات محصورة بملف واحد، بل امتدت لأكثر من وزارة ومؤسسة، بعدما أُثيرت في الإعلام وتحت قبة البرلمان ومواقع التواصل مزاعم عن تعيينات وعطاءات وتضارب مصالح في عدد من القطاعات، من العمل إلى الإدارة المحلية إلى التنمية الاجتماعية والمياه والزراعة، وهي وزارات باتت أسماؤها متداولة في أحاديث الناس اليومية أكثر من أي وقت مضى.

بعض الجهات ردّت على ما أُثير، وملفات أخرى بقيت معلقة لا يعرف المواطن هل انتهت بتحقيق، أو أُغلقت لعدم ثبوت ادلة وكانت مجرد اشاعات ؟ أو ما تزال قيد المتابعة والتحقيق ؟

ومن الأمثلة اللافتة التي يتداولها الرأي العام هذه الأيام، القرار الأخير بتمديد تأجيل انتخابات البلديات وأمانة عمّان ستة أشهر إضافية، وهو تأجيل يأتي بعد أشهر من قرار سابق بحل المجالس المنتخبة وتشكيل لجان بديلة، فالمواطن هنا لا يسأل عن الأسباب القانونية المعلنة فحسب، بل عن التوقيت وتكراره، وعن الأثر المباشر لمثل هذه القرارات على حق الناس في اختيار من يمثلهم محلياً، وهو سؤال مشروع يستحق إجابة واضحة من الجهة المعنية، بعيداً عن أي تأويل أو تخمين او اتهام .

وهنا لم يعد السؤال عن وزارة بعينها، بل عن مبدأ واحد بسيط، هل تخضع كل هذه الملفات للمعيار نفسه؟
أم أن بعضها يحظى بمساحة أوسع من الوقت والصبر قبل أن يصل إلى أي نتيجة!

المطلوب ليس إصدار أحكام ولا اتهام أحد، لأن العدالة لا تُبنى على الإشاعة ولا على حديث المجالس، وإنما المطلوب آلية واضحة تُحال من خلالها كل الملفات التي أُثيرت حولها أسئلة جدية إلى الجهات الرقابية والقضائية، لتكون الكلمة الأخيرة للقانون وحده، لأن الصمت في مثل هذه اللحظات يُفهم أحياناً على أنه تغطية، حتى لو لم يكن قصده كذلك.

فحق المواطن في معرفة الحقيقة لا يقل عن حق المسؤول في الدفاع عن نفسه ،   واحترام الحقين معاً هو ما يبني الثقة الحقيقية بين الدولة والمجتمع.

أما حين تبقى الأسئلة بلا جواب، تتسع مساحة الإشاعة ويصبح الفراغ بيئة خصبة للتأويل وإثارة الشكوك والاشاعات!!

إن استعادة ثقة الأردنيين لا تتحقق بإقالة وزير مهما كانت أسبابها، بل تتحقق حين تصبح المساءلة نهجاً ثابتاً ينطبق بالمعيار نفسه على الجميع، دون تمييز بين منصب ومنصب أو اسم واسم، فالعدالة لا تُقاس بأول قرار، بل تُقاس باستمرار النهج.

والسؤال الذي يجب أن يبقى مطروحاً، هل كانت هذه الإقالة نهاية ملف، أم بداية مرحلة يترسخ فيها أن لا أحد فوق القانون؟؟؟
وهل سيشعر الأردنيون أن كل ملف يثار حوله جدل سيأخذ طريقه الطبيعي إلى التحقيق والنتيجة أم ستبقى ملفات حبيسة الحديث حتى ينساها الناس؟؟

فالدول لا تُقاس بعدد المسؤولين الذين يغادرون مناصبهم بل تُقاس بقدرتها على الوصول إلى الحقيقة أياً كانت وتطبيق القانون على الجميع بالعدل نفسه، وهذا في النهاية كل ما يريده الأردنيون، لا أكثر .

زر الذهاب إلى الأعلى