موجة العنف في الأردن: إنذار أحمر يستدعي تحركًا عاجلًا
بقلم: د. ثروت الحلواني – محامية وأكاديمية
شهد الأردن خلال الأسابيع الأخيرة سلسلة من الجرائم المروّعة التي هزّت الرأي العام، من جرائم إطلاق النار في عمّان وجرش إلى الاعتداءات المميتة في الزرقاء والأغوار الشمالية. هذه الأحداث ليست حوادث فردية معزولة، بل مؤشرات خطيرة على تصاعد ظاهرة العنف بأشكالها المختلفة، سواء كانت خلافات يومية تتحول إلى مآسي، أو جرائم انتقامية مخطط لها، أو حتى عنف رقمي يبدأ على مواقع التواصل لينفجر في الواقع.
أولًا: البعد القانوني
القوانين الأردنية واضحة وصارمة في مواجهة جرائم القتل والاعتداء وحيازة الأسلحة النارية غير المرخصة. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في التطبيق الفعلي والسرعة في إجراءات التقاضي. فالعدالة البطيئة تُفقد هيبتها، وتمنح المجرم شعورًا زائفًا بالإفلات من العقاب. المطلوب اليوم ليس فقط إنزال العقوبة، بل تسريع البت في القضايا وتفعيل العقوبات المشددة على جرائم القتل وحيازة السلاح. العدالة الناجزة وحدها قادرة على استعادة ثقة المجتمع بالقانون.
ثانيًا: البعد الاجتماعي
لا يمكن فصل هذه الموجة من العنف عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية الضاغطة التي يعيشها المواطنون. البطالة، والفقر، والتفكك الأسري، وضعف منظومة القيم، كلها عوامل تهيئ بيئة خصبة لانفجار الغضب بأشكال خطرة. وإلى جانب ذلك، تلعب وسائل التواصل الاجتماعي دورًا سلبيًا في تضخيم الخلافات ونشر خطاب الكراهية، ما يحوّل النزاعات الصغيرة إلى مواجهات دامية. مواجهة هذا البعد تتطلب برامج توعية وتربية وقائية في المدارس والجامعات والإعلام، لإعادة الاعتبار لقيم الحوار والتسامح.
ثالثًا: البعد الأمني
لا شك أن الأجهزة الأمنية أثبتت سرعة في كشف ملابسات العديد من الجرائم الأخيرة، لكن المطلوب اليوم هو الانتقال من رد الفعل إلى الوقاية. السيطرة على انتشار السلاح غير المرخص أولوية قصوى، كما أن تطوير آليات لرصد العنف الرقمي والتهديدات عبر الإنترنت بات ضرورة لا تحتمل التأجيل. إلى جانب ذلك، فإن تعزيز التواجد الأمني في المناطق الساخنة، وإشراك الوجهاء والمجتمع المحلي في احتواء النزاعات، يمكن أن يسهم في خفض مستوى التصعيد قبل وقوع الكارثة.
ما يجري اليوم ليس عارضًا عابرًا، بل جرس إنذار يتطلب تحركًا متكاملًا على المستويات القانونية والأمنية والاجتماعية. فدم الأردني ليس رخيصًا، والقتل لا يجوز أن يتحول إلى خبر عابر في يومياتنا. المطلوب الآن هو بناء منظومة رادعة ووقائية في آن واحد، تُشعر المواطن أن القانون هو الحكم الفصل، وأن التسامح هو الثقافة السائدة، لا لغة السلاح والانتقام.



