QFEX 2026
منبر الكلمة

لا تسرقوا عباءة القاضي بخلق التهم

 

كتبت: منى توفيق عثامنه

نحن في دولةٍ محترمة، نعتزّ بمؤسساتنا الوطنية، وفي مقدّمتها وزارة التربية والتعليم، التي نؤمن بأن رسالتها لا تقتصر على التعليم، بل تبدأ بالتربية؛ فالأمم لا تنهض بالعلم وحده، ولا تستمرّ في تقدّمها إلا بالأخلاق والقيم. فإن ذهبت أخلاقها ذهبت ، والتهمها النسيان .

لقد كان لي شرف العمل والتنقّل بين أربع مديريات تابعة لوزارة التربية والتعليم، ولم يكن الحجاب يومًا مشكلةً في مدارسنا، بل كان أمرًا مألوفًا ومحترمًا، تحثّ عليه الإدارة والمعلمات والأهل ، إنّه لا يستدعي كلّ هذا الجدل. وما زلت أستحضر مشهد الطالبات في الطابور الصباحي، وأغلبهنّ يرتدين الحجاب الأبيض، فيبدو الأمر ، كأنهنّ حمائم بيض تملأ المكان صفاءً ووقارًا.

فما شأننا بما يجري في دولةٍ أخرى، تتعرّض فيها حقوق الإنسان لانتهاكاتٍ وممارساتٍ تعسّفية؟ نحن نرفض الظلم أينما وقع، ونرفض المساس بكرامة الإنسان وحقوقه، لكنّ رفضنا لظلم الآخرين لا ينبغي أن يتحوّل إلى ذريعةٍ لاتهام مؤسساتنا الوطنية أو اختلاق قضايا لا تعبّر عن واقعنا.

كيف تحوّلت صورةٌ عادية لطالبات بريئات في قريةٍ ما إذا ثبتت صحّة الخبر المتداول ، إلى قضيةٍ تشغل الإعلام الرقمي، وتُطلَق على إثرها أحكامٌ جائرة بحق وزارة التربية والتعليم، دون تثبّتٍ كافٍ من حقيقة الأمر وسياقه؟

ليس مطلوبًا منّا أن نستعير معارك الآخرين، أو أن نرتدي ثوب النضال في غير موضعه؛ فلكلّ قضيةٍ سياقها، ولكلّ مجتمعٍ خصوصيّته، والعدل يقتضي ألّا نُدين مؤسساتنا قبل أن نتحقّق من الوقائع.
إنّ الادّعاء يقف على بيّنة ، والدفاع ينطلق من القانون ، والقضاء ضوابطه الخبرة والاطلاع والدلائل والرّيث والعدالة ، فليس من المنطقي أن نتقمّص دور القاضي بإصدار حكم بلا قضيّة !!!!

نعم، نحن بحاجةٍ إلى التوعية، وإلى ترسيخ قيم الحياء والاحتشام والاحترام، في زمنٍ باتت فيه قلّةٌ قليلة تتعامل مع التعرّي وكأنّه مظهرٌ للفخر والتحرّر والمدنيّة، لكنّ الدعوة إلى القيم لا تكون بالتناحر أو التجريح أو التشهير، وإنما بالحكمة والموعظة الحسنة، واحترام الإنسان، والابتعاد عن الأحكام المتسرّعة.

لقد علّمنا القرآن الكريم أن الكلمة الطيبة أبلغ أثرًا من القسوة، وأن النفوس لا تُستمال بالتعنيف، بل بالحكمة والرفق؛ قال تعالى:

﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾.

فلنحفظ لمؤسساتنا الوطنية مكانتها، ولنختلف بوعي، وننصح بمسؤولية،وننشر بصدق ، ونجعل الأخلاق التي ندعو إليها حاضرةً في أسلوبنا قبل كلماتنا؛ فالدفاع عن القيم لا يكتمل إلا حين نمارسها، ونحرص على إبراز الصورة الأمثل لوطننا ومؤسساته فإنّ أوهن البيوت تلك التي يخربها أصحابها بأيديهم .

زر الذهاب إلى الأعلى