منبر الكلمة

نصير يكتب : في ليلة الحسين والفيصلي… الأردن انتصر بالأمن والأخلاق قبل كرة القدم

د. خلدون نصير / المدير المسؤول

في زمنٍ أصبحت فيه الملاعب في كثير من دول العالم ساحةً للفوضى والعنف والانفلات، أثبت الأردن مرةً أخرى أن هيبة الدولة لا تُفرض بالصراخ، ولا بالقوة العمياء، بل بالحكمة والانضباط والاحتراف.

في مباراة التتويج الكبرى بين الحسين إربد والفيصلي، والتي شهدت حضورًا جماهيريًا هائلًا واحتقانًا غير مسبوق، كانت الأنظار تتجه نحو كيفية إدارة هذا المشهد المعقد أمنيًا وجماهيريًا، خصوصًا مع وجود أكثر من خمسة عشر ألف مشجع داخل المدينة الرياضية، وآلاف آخرين في محيطها الخارجي.

لكن ما حدث كان درسًا أردنيًا بامتياز.

رجال الأمن العام، وأمن الملاعب، وقوات الدرك، وإدارة السير، والدفاع المدني، لم يكونوا مجرد قوة تنتشر في المكان، بل كانوا نموذجًا للدولة التي تعرف كيف تحمي مواطنيها وتحافظ على هيبتها في آنٍ واحد.

ساعات طويلة من الضغط، وهتافات متوترة، وحشود ضخمة، واحتمالات مفتوحة على كل السيناريوهات…

ورغم ذلك، لم تُسجل حادثة تُذكر، لا اشتباك، ولا فوضى، ولا تجاوزات مؤثرة.

والسبب لم يكن الصدفة ،بل كان نتيجة عقلية أمنية محترفة تؤمن أن المواطن ليس خصمًا، وأن فرض الأمن لا يعني إهانة الناس أو استفزازهم، بل احتواءهم واحترامهم والتعامل معهم بأعلى درجات ضبط النفس.

ولعل أكثر ما لفت الانتباه، ذلك الأداء الهادئ والواثق من قائد وحدة أمن الملاعب، الذي جسّد فعليًا معنى القيادة الميدانية الحقيقية؛ حضور دائم، متابعة دقيقة، تعامل راقٍ مع الجمهور، وهدوء أعصاب يُحسب له ولطاقمه بالكامل.

في واحدة من أصعب المباريات جماهيريًا، ظهر الاحتراف الأردني بصورة تستحق الاحترام.

فهذا هو الأردن الحقيقي…

دولة تمتلك أجهزة أمنية قوية، لكنها في الوقت ذاته تعرف قيمة الإنسان وكرامته.

دولة تستطيع أن تفرض النظام “بنعومة وصرامة” دون ظلم أو استعراض أو قسوة.

دولة عندما تعمل مؤسساتها بروح الفريق، يتحول أصعب المشاهد إلى صورة حضارية نفتخر بها جميعًا.

التحية لكل رجل أمن وقف ساعات طويلة تحت الضغط والتوتر، والتحية لكل من ساهم في إخراج هذا الحدث الوطني الرياضي بهذه الصورة المشرفة.

فهكذا تُبنى هيبة الدول بالاحتراف، والأخلاق، واحترام الناس.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى