إربد التجارية… حين يصبح فتح المحل مغامرة يومية

عدنان نصّار
في الصباح الباكر، تفتح محالّ إربد أبوابها كما لو أنها تؤدي طقسًا يوميًا من الصبر أكثر مما تمارس نشاطًا تجاريًا.
الواجهات مضاءة، البضائع مرتبة بعناية، وأصحاب المحال يقفون على الأبواب بانتظار زبون قد يأتي… أو لا يأتي. وفي مدينة كانت تُعرف يومًا بأنها “العاصمة الاقتصادية للشمال”، بات السؤال الأكثر حضورًا بين التجار: هل ما زال السوق قادرًا على الحياة؟
في وسط البلد، حيث كانت الأرصفة تضيق بالمارة والمتسوقين، تبدو الحركة اليوم أقل صخبًا وأكثر تعبًا. لا أحد ينكر أن الشوارع ما تزال مزدحمة، لكن الازدحام لم يعد يعني الشراء، والناس الذين يتجولون بين المحال أصبح كثير منهم يكتفي بالسؤال عن الأسعار، قبل أن يغادر بصمت ثقيل يشبه الاعتذار.
التاجر في إربد لم يعد يخشى المنافسة فقط، بل يخشى يومه الكامل.
إيجارات مرتفعة، فواتير كهرباء لا ترحم، ضرائب ورسوم، وتراجع واضح في القدرة الشرائية للمواطن. حتى المواسم التي كانت تُنعش السوق – كالأعياد وبداية المدارس وشهر رمضان – لم تعد تحمل ذلك الزخم القديم، وكأن جيب المواطن الأردني دخل مرحلة الدفاع عن الحد الأدنى من الحياة.
وفي شارع الملك عبدالله الثاني، المعروف شعبيًا باسم شارع الحصن، تبدو الصورة أكثر قسوة ووضوحًا.
فما يقارب 180 محلًا تجاريًا أغلقت أبوابها خلال السنوات الأخيرة، وتحولت واجهات كثيرة إلى محال مهجورة تحمل آثار الغبار والركود بدل الحركة والحياة. الشارع الذي كان يومًا أحد أهم الشرايين التجارية النابضة في إربد، بات شاهدًا صامتًا على حجم التحول الاقتصادي الذي يضرب المدينة، حتى أصبحت بعض اللافتات القديمة المعلّقة فوق الأبواب أشبه بذاكرةٍ لزمنٍ تجاريٍ أكثر دفئًا.
الأزمة هنا لا تتعلق بمحل أو قطاع بعينه، بل بصورة اقتصادية أوسع تضغط على المدينة كلها.
فالطبقة الوسطى التي كانت العمود الفقري للحركة التجارية تتآكل تدريجيًا، فيما أصبحت الأولويات المعيشية تسبق أي إنفاق آخر. المواطن يفكر بالفاتورة قبل القميص، وبأسطوانة الغاز قبل وجبة المطعم، وبالأقساط قبل أي رفاهية مهما كانت بسيطة.
في المقابل، يشعر كثير من التجار أن السوق تُرك وحيدًا يواجه مصيره.
لا خطط إنقاذ واضحة، ولا رؤية اقتصادية خاصة بالمدن التجارية الكبرى خارج العاصمة. وإربد، بما تمثله من كثافة سكانية وحركة جامعية وتجارية، تبدو اليوم كأنها تدفع ثمن التحولات الاقتصادية بصمت مؤلم.
الأصعب من الركود نفسه، هو الإحساس المتزايد بفقدان الأمان التجاري.
فصاحب المحل الذي كان يخطط للتوسع، بات يفكر فقط بكيفية الاستمرار حتى نهاية الشهر. وبعضهم أصبح يفتح متجره يوميًا وهو يعرف مسبقًا أن ما سيدخله قد لا يغطي حتى المصاريف الأساسية.
ومع ذلك، لا تزال إربد تقاوم بطريقتها الخاصة.
فالمدينة التي عاشت طويلًا على روح الناس البسطاء، وعلى علاقتها الحميمة بالسوق والشارع والمقهى، لم تفقد تمامًا قدرتها على النهوض. لكن هذه القدرة تحتاج إلى ما هو أكثر من الصبر؛ تحتاج إلى سياسات اقتصادية تُعيد الثقة، وتمنح التاجر والمواطن شعورًا بأن الغد ليس أكثر قسوة من اليوم.
إربد اليوم لا تطلب المعجزات.
هي فقط تريد أن يعود السوق مكانًا للحياة… لا ساحة يومية للقلق والخسارة والانتظار.



