
رئيس التحرير الزميل عدنان نصار يكتب .. خطاب العرش.. حين يضع الملك الدولة أمام مسؤولياتها والمواطن في صلب القرار
عدنان نصّار
لم يكن خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، اليوم الاثنين، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، مجرد مناسبة دستورية تتجدد مع انعقاد دورة برلمانية جديدة، بل حمل رسائل سياسية ووطنية مباشرة، رسمت ملامح الأولويات الأردنية في مرحلة إقليمية مضطربة، ووضعت أمام مؤسسات الدولة استحقاقات لا تحتمل التأجيل، في الأمن والسياسة والاقتصاد والإدارة والخدمات.
وفي قراءة مضامين الخطاب، يبدو واضحاً أن الملك أراد التأكيد على معادلة أساسية: قوة الدولة لا تُقاس فقط بقدرتها على حماية حدودها ومواجهة الأخطار، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية مصالح مواطنيها، وترسيخ العدالة، وصون كرامة الناس، وتحويل الخطط والوعود إلى نتائج ملموسة في حياتهم اليومية.
الأردن القوي.. وحدة وطنية لا تقبل الاختراق
استهل جلالة الملك خطابه بالتأكيد على صلابة الدولة الأردنية في مواجهة الإرهاب، مستحضراً شهداء الكرك، ومشدداً على أن أمن الوطن ووحدته خط أحمر، وأن الأردن سيبقى عصياً على كل من يحاول المساس باستقراره وسيادته.
ولم تكن هذه الرسالة منفصلة عن سياقها الوطني؛ فالأردن، الذي يعيش في محيط إقليمي شديد التعقيد، يدرك أن حماية الاستقرار مسؤولية مشتركة بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وأن التماسك الداخلي يشكل خط الدفاع الأول في مواجهة التحديات.
لكن أهمية الرسالة الملكية لا تقف عند حدود التحذير من الإرهاب، بل تمتد إلى ضرورة حماية الثقة بين الدولة والمواطن، وتعزيز الشعور بالمواطنة الجامعة، وإغلاق الأبواب أمام كل ما يمكن أن يهدد وحدة المجتمع أو يستثمر في مخاوفه وتناقضاته.
إن الدولة القوية هي التي تجمع الأردنيين حول مشروع وطني واضح، وتمنحهم الثقة بأن أمنهم واستقرارهم وحقوقهم مصونة، وأن الاختلاف في الرأي لا ينتقص من الانتماء، بل يمكن أن يكون مصدر قوة إذا بقيت المصلحة الوطنية هي البوصلة.
فلسطين.. الثابت الأردني في مواجهة أطماع المنطقة
وفي القضية الفلسطينية، جاء الخطاب حاسماً في تأكيد أن الأمن والاستقرار في المنطقة لن يتحققا من دون تلبية حق الشعب الفلسطيني في أرضه، في ظل استمرار الكارثة الإنسانية في قطاع غزة، والاعتداءات الإسرائيلية في الضفة الغربية والقدس، والأطماع التوسعية التي تهدد مستقبل المنطقة.
وهنا تتجاوز الرسالة حدود الموقف السياسي الأردني التقليدي، لتؤكد أن القضية الفلسطينية ليست ملفاً عابراً في السياسة الخارجية، ولا قضية يمكن تجاوزها تحت ضغط التحولات الإقليمية والدولية، بل هي قضية حق وعدالة ومستقبل لشعب ما زال يناضل من أجل أرضه وحريته وكرامته.
ويؤكد هذا الموقف أهمية الدور الأردني في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، وحماية المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، والتمسك بحل سياسي عادل يضمن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على التراب الوطني الفلسطيني.
لقد أراد الملك أن يقول بوضوح إن فرض الوقائع بالقوة لا يصنع شرعية، وإن مرور الزمن لا يلغي الحقوق، وإن الرهان على تراجع الأردن عن ثوابته رهان خاسر.
وفي منطقة تتبدل فيها التحالفات وتتسارع فيها الأحداث، تبقى المواقف المبدئية أكثر أهمية من الحسابات المؤقتة، لأن السلام الحقيقي لا يقوم على إدارة الصراع إلى ما لا نهاية، بل على معالجة أسبابه وتحقيق العدالة التي تشكل أساس الاستقرار.
مجلس الأمة.. مسؤولية تتجاوز التشريع إلى الرقابة والمحاسبة
ولعل من أبرز الرسائل الداخلية في الخطاب الملكي التأكيد على أن مجلس الأمة يجب أن يكون صوتاً للوطن، وحارساً للمصلحة العامة، ورقيباً على الأداء الحكومي، وأن اختلاف الآراء تحت القبة يمثل مصدر قوة ما دامت مصلحة الأردن هي الغاية.
وهذه رسالة تستحق التوقف عندها، لأنها تنقل النقاش من عدد القوانين التي يقرها المجلس إلى نوعية أدائه، ومن المواقف التي تُعلن تحت القبة إلى أثرها في حياة المواطنين.
فالمواطن الأردني لا ينتظر من مجلس النواب أن يكون ساحة للمناكفات السياسية أو تبادل الاتهامات، ولا أن تقتصر مهمته على إقرار التشريعات، بل يريد مجلساً حاضراً في قضاياه اليومية، قادراً على مساءلة الحكومة، ومتابعة الخدمات، والدفاع عن حقوق الناس، ومراقبة الإنفاق العام، والتصدي لأوجه الخلل أينما ظهرت.
كما أن تأكيد الملك أن الأردنيين ينظرون إلى سلوك النواب وخطابهم، لا إلى القوانين التي يصدرونها فحسب، يحمل دعوة واضحة إلى الارتقاء بالحياة البرلمانية، وتقديم نموذج في الحوار المسؤول واحترام الاختلاف والابتعاد عن المصالح الضيقة.
إن هيبة المؤسسة التشريعية لا تُبنى بالشعارات، بل بقدرتها على التعبير عن المجتمع، وممارسة دورها الدستوري باستقلالية ومسؤولية، وإقناع الناس بأن أصواتهم لم تكن مجرد محطة انتخابية، بل تفويضاً لمراقبة الأداء العام وتحسينه.
مصلحة المواطن.. المعيار الحقيقي لنجاح الحكومات
في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، وضع جلالة الملك قاعدة واضحة حين أكد أن مصلحة الأردني يجب أن تكون في صلب كل قرار، لا على هامشه، وأن التنمية الحقيقية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته وفرصه وتعليمه وعلاجه ومستقبل أبنائه.
وهذه العبارة تختصر جوهر التحدي الذي تواجهه الإدارة العامة في الأردن.
فالأرقام الاقتصادية، ومؤشرات النمو، والخطط الاستراتيجية، والمشروعات الكبرى، تظل مهمة وضرورية، لكنها لا تحقق غاياتها كاملة إذا لم تنعكس على فرص العمل، وتحسين الدخول، وتخفيف الأعباء المعيشية، ورفع جودة الخدمات، وتوسيع فرص الشباب في بناء مستقبلهم.
المواطن يريد أن يعرف ماذا سيتغير في حياته، والأسرة تريد شعوراً أكبر بالأمان الاقتصادي، والشاب يريد فرصة عمل تحفظ كرامته وتمنحه الأمل، والمريض يريد علاجاً ميسوراً وخدمة صحية لائقة، والطالب يريد تعليماً يفتح أمامه أبواب المستقبل.
ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام الحكومة لا يتمثل في إعلان البرامج فقط، بل في ترتيب الأولويات وفق حاجات الناس، وتحديد جداول زمنية واضحة للإنجاز، وقياس النتائج بشفافية، ومراجعة السياسات التي لا تحقق أهدافها.
فالتحديث الاقتصادي لا يكتمل بمجرد إطلاق المشروعات، وإنما بقدرتها على خلق فرص العمل، وتحفيز الاستثمار المنتج، وتعزيز التنافسية، وتحقيق تنمية متوازنة تشمل المحافظات، ولا تترك فئات اجتماعية خلف الركب.
الأمن المائي.. قضية سيادة ومستقبل
وعندما كرر الملك عبارة «المياه، المياه، المياه»، كان يضع أحد أخطر التحديات الوطنية في صدارة الاهتمام، مؤكداً أن الأمن المائي أولوية وطنية، وأن الحكومة مطالبة بمواصلة المشروعات المائية ووضع خطط استباقية لحماية الموارد وضمان استدامتها للأجيال القادمة.
إن الماء في الأردن ليس مجرد خدمة عامة، بل قضية ترتبط بالأمن الوطني والتنمية والاستثمار والزراعة والصحة والاستقرار الاجتماعي.
وفي بلد يعاني شح الموارد المائية، لا يكفي التعامل مع الأزمة من خلال حلول آنية أو إجراءات طارئة، بل يحتاج الأمر إلى سياسة مائية طويلة الأمد، تقوم على تنويع مصادر المياه، وتقليل الفاقد، وتحسين كفاءة الشبكات، وإعادة استخدام المياه المعالجة حيثما أمكن، وتعزيز الوعي المجتمعي بأهمية المحافظة على كل قطرة.
كما أن إنجاز المشروعات الاستراتيجية في مواعيدها، ومراقبة كلفها، وضمان كفاءتها التشغيلية، يمثل مسؤولية مباشرة أمام المواطنين، الذين يريدون أن يلمسوا نتائج الخطط في انتظام التزويد المائي وعدالته بين المناطق.
والأمن المائي، كما أوضح الخطاب، ليس ملفاً يمكن تأجيله، لأن كلف التأخير لا تتوقف عند الحاضر، بل تمتد إلى حقوق الأجيال المقبلة.
سيادة القانون.. لا حصانة لمن يسيء استخدام السلطة
ومن أكثر الرسائل وضوحاً في الخطاب الملكي التأكيد أن الوظيفة العامة ليست امتيازاً يرفع صاحبها فوق الناس، وأنه لا حصانة لمن يسيء استخدام منصبه، وأن القانون لا يعرف اسماً أو منصباً أو نفوذاً.
هذه الرسالة تضع الإدارة العامة أمام مسؤولية أخلاقية وقانونية، وتؤكد أن المنصب العام تكليف لخدمة المواطنين، وليس وسيلة لاكتساب النفوذ أو تحقيق المصالح الخاصة.
لكن سيادة القانون لا تتحقق بالتصريحات وحدها؛ فهي تحتاج إلى إجراءات عادلة وشفافة، ومساءلة تطال كل من تثبت مخالفته، وتكافؤ في تطبيق القواعد، وحماية المال العام، وتعزيز النزاهة، وضمان عدم استغلال الموقع الوظيفي لتحقيق مكاسب شخصية.
كما أن الإصلاح الإداري يبدأ من إعادة الاعتبار إلى قيمة العمل العام، وربط المسؤولية بالإنجاز، وتقييم المسؤولين على أساس ما يقدمونه من خدمات ونتائج، لا على أساس مواقعهم أو علاقاتهم.
ولذلك، فإن الاختبار الحقيقي لهذه الرسالة سيكون في قدرة المؤسسات المعنية على تحويلها إلى ممارسة ثابتة، يشعر معها المواطن أن القانون يحميه، وأن حقوقه لا تتوقف على اسمه أو موقعه أو قدرته على الوصول إلى أصحاب القرار.
حرية الرأي وأدب الاختلاف.. قوة الدولة في سعة صدرها
وفي رسالة لا تقل أهمية، أكد الملك أن التداول في الشأن العام حق مشروع يصونه الدستور، وأن الوطن يتسع لكل رأي مخلص ومسؤول، مقروناً ذلك بضرورة الحفاظ على كرامة الكلمة وأدب الاختلاف.
وهنا تبرز أهمية العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين المسؤول والإعلام، وبين المؤسسات العامة والمواطن الذي يريد أن يسأل ويناقش وينتقد ويقترح.
فالنقد المسؤول ليس تهديداً للدولة، بل يمكن أن يكون وسيلة لتصحيح المسار وكشف مواطن الخلل قبل تفاقمها. والإعلام المهني لا يؤدي دوره حين يكتفي بنقل التصريحات، وإنما حين يطرح الأسئلة التي تهم الناس، ويتابع الوعود، ويبحث عن الحقيقة، ويمنح الرأي العام معلومات موثوقة.
وفي المقابل، فإن المسؤولية تقتضي أن يمارس الجميع حقهم في التعبير بوعي واحترام، بعيداً عن التشهير والتضليل والإساءة، وأن يكون الاختلاف وسيلة للحوار لا ذريعة للإقصاء.
إن قوة الدولة لا تظهر فقط في قدرتها على مواجهة خصومها، بل أيضاً في ثقتها بنفسها، وفي اتساع المجال أمام الرأي المسؤول، وفي قدرتها على الإصغاء إلى النقد والاستفادة منه.
خطاب يفتح باب الأسئلة.. والامتحان في التنفيذ
في المحصلة، وضع خطاب العرش مجموعة من الأولويات الواضحة أمام الحكومة ومجلس الأمة ومختلف مؤسسات الدولة: حماية الأمن والاستقرار، والثبات على الموقف من القضية الفلسطينية، وتعزيز الرقابة البرلمانية، وتسريع المشروعات الاقتصادية، وصون الأمن المائي، وترسيخ سيادة القانون، واحترام حق المواطنين في المشاركة والنقاش العام.
غير أن قيمة الخطاب لا تُقاس بوضوح رسائله وحده، بل بما ستؤول إليه هذه الرسائل من قرارات وإجراءات ونتائج.
وهنا تبدأ المسؤولية الفعلية للحكومة، التي يقع على عاتقها أن تقدم للمواطنين إجابات عملية عن أسئلتهم اليومية، وأن تترجم التوجيهات إلى خطط قابلة للقياس، وأن تجعل الإنجاز معياراً للمساءلة، لا مجرد عنوان في البيانات الرسمية.
كما تبدأ مسؤولية مجلس الأمة في ممارسة دوره التشريعي والرقابي بجدية، بعيداً عن الحسابات الضيقة، وقريباً من أولويات الناس وتطلعاتهم.
أما المواطن الأردني، الذي وضع الملك ثقته بوعيه وحكمته وإخلاصه، فهو ينتظر أن يرى دولة أكثر كفاءة وعدالة، وإدارة عامة أكثر استجابة، وفرصاً أوسع أمام الشباب، وخدمات أفضل، ومساءلة لا تستثني أحداً.
إن الرسالة الأهم في خطاب العرش أن الأردن لا يحتاج إلى تجديد الوعود بقدر ما يحتاج إلى تجديد القدرة على الإنجاز. فالمواطن الذي يسمع الخطاب اليوم، يريد أن يرى أثره غداً في حياته وبيته وعمله ومستقبل أبنائه.
وهذا هو الامتحان الحقيقي الذي يبدأ بعد انتهاء الخطاب، حين تنتقل الكلمات من تحت قبة مجلس الأمة إلى ميادين العمل، وتتحول التوجيهات إلى مسؤوليات، وتصبح مصلحة الأردنيين معياراً فعلياً لكل قرار.
فالأوطان لا تتقدم بما تقوله مؤسساتها فقط، بل بما تنجزه لأبنائها، وما تمنحهم إياه من ثقة وعدالة وأمل.
