منبر الكلمة

خطاب العرش السامي.. رسائل وطنية تتجاوز الكلمات إلى مسؤولية العمل والإنجاز

بقلم أ.د. عاطف البواب

جاء خطاب العرش السامي الذي ألقاه جلالة الملك عبدالله الثاني، اليوم، في افتتاح الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العشرين، حاملاً مجموعة من الرسائل الوطنية والسياسية والإنسانية المهمة، التي تستحق التوقف عند مضامينها وقراءتها بعمق، ليس باعتبارها كلمات تقال في مناسبة دستورية، بل باعتبارها عناوين واضحة لمسؤوليات المرحلة، وما تتطلبه من مواقف جادة وعمل حقيقي على مستوى مؤسسات الدولة كافة.

لقد وضع جلالة الملك في خطابه خمسة محاور أساسية، تشكل في مجموعها منظومة متكاملة من الثوابت الوطنية والمسؤوليات العامة، وهي رسائل ينبغي ألا تبقى في إطار الاستماع والتفاعل معها، وإنما أن تتحول إلى برامج عمل وممارسات ملموسة.

أول هذه الرسائل، التأكيد على مواجهة الإرهاب بكل حزم، واستذكار شهداء الاعتداء الإرهابي الذي استهدف كنيسة القديس جاورجيوس في بلدة حمود بمحافظة الكرك. فعندما أكد جلالته أن «دماء شهداء الكرك عهد في أعناقنا»، كان يستحضر قيمة الإنسان وحرمة الدم، ويؤكد أن أمن الأردن ووحدته الوطنية خط أحمر لا يمكن السماح بتجاوزه. إن مكافحة الإرهاب ليست مسؤولية الأجهزة الأمنية وحدها، بل مسؤولية وطنية ومجتمعية تتطلب تعزيز الوعي والتماسك ورفض الفكر المتطرف بكل أشكاله.

أما الرسالة الثانية، فتتعلق بالقضية الفلسطينيةوالاعتداءات الإسرائيلية المتواصلة في الضفة الغربية والقدس، حيث جدد جلالة الملك التأكيد على حق الشعب الفلسطيني في أرضه وحياة آمنة وكريمة، مشدداً على أن الأمن والاستقرار في المنطقة لا يمكن أن يتحققا دون إنصاف الشعب الفلسطيني وتمكينه من حقوقه المشروعة. وهي رسالة تؤكد أهمية استمرار الموقف الأردني الثابت في الدفاع عن فلسطين ورفض الانتهاكات ومحاولات فرض الأمر الواقع.

وفي الرسالة الثالثة، وضع جلالته مجلس الأمة أمام مسؤولية تتجاوز الدور التشريعي والرقابي، عندما أكد أن الأردنيين لا ينظرون إلى ما يصدر عن هذه القبة من قوانين فقط، بل إلى ما يصدر عنها من سلوك وخطاب. وهذا تأكيد على أن مكانة المؤسسة التشريعية لا تتحدد بعدد القوانين التي تقرها فحسب، بل أيضاً بمستوى الحوار، واحترام الاختلاف، والالتزام بالمصلحة العامة، والقدرة على التعبير عن تطلعات المواطنين. فالمجلس الذي يكتسب ثقة الناس هو الذي يجمع بين جودة التشريع ومسؤولية الخطاب والسلوك.

والرسالة الرابعة حملت عنواناً بالغ الأهمية، يتمثل في مفهوم التنمية الحقيقية، إذ أكد جلالة الملك أن التنمية هي التي يلمس المواطن أثرها في معيشته، وفرصه، وتعليمه، وعلاجه، ومستقبل أبنائه. وهذا المعيار يضع الجميع أمام مسؤولية الانتقال من الحديث عن الخطط والمؤشرات والأرقام إلى قياس الإنجاز بما ينعكس فعلياً على حياة الناس. فنجاح السياسات الاقتصادية والتنموية يجب أن يظهر في تحسين مستوى المعيشة، وتوفير فرص العمل، والارتقاء بالخدمات، وتعزيز الأمل بمستقبل أفضل للأجيال القادمة.

أما الرسالة الخامسة، فتتعلق بالوظيفة العامة، حيث شدد جلالته على أنه لا مكان لمن يعتقد أن الوظيفة العامة تشريف يرفعه عن العمل أو خدمة الناس. وهي رسالة واضحة في ترسيخ مفهوم المسؤولية والمساءلة، والتأكيد أن المنصب العام تكليف قبل أن يكون امتيازاً، وأن قيمة المسؤول تقاس بقدرته على الإنجاز وخدمة المواطنين واحترام القانون، لا بموقعه الوظيفي أو نفوذه.

إن الأهمية الحقيقية لهذه الرسائل تكمن في ضرورة ترجمتها إلى سلوك مؤسسي وممارسة يومية. فالخطاب يحدد اتجاهات المسؤولية، لكن الاختبار الفعلي يبدأ بعد انتهاء المناسبة، من خلال أداء الحكومة ومجلس الأمة والإدارة العامة، ومدى قدرتهم على تحويل هذه المضامين إلى نتائج يشعر بها المواطن.

إن الأردن، بما يمتلكه من مؤسسات وطنية وتماسك مجتمعي وثوابت راسخة، يحتاج اليوم إلى أن تكون هذه الرسائل بوصلة للعمل العام، وأن تتقدم المصلحة الوطنية على الاعتبارات الشخصية والحسابات الضيقة. فالكلمات تكتسب قيمتها الحقيقية عندما تتحول إلى أفعال، والثقة تتعزز عندما يرى المواطن أن ما يقال في الخطابات يجد طريقه إلى حياته اليومية ومستقبل أبنائه.

 

زر الذهاب إلى الأعلى