QFEX 2026
منبر الكلمة

د. بزبز ـ يكتب: قلوبنا مع الكرك… الأردن أكبر من الوجع وأقوى من الفتنة

—
بقلم الدكتور محمد يوسف حسن بزبز
سفير جائزة الملكة رانيا العبدالله للتميز التربوي
—
حين تنزف الكرك، يتوجّع الأردن بأسره، وحين تمتد يد الغدر إلى أرواح الأردنيين، يتجاوز الحزن حدود المدينة ليصل إلى كل قلبٍ يؤمن بأن الإنسان أغلى ما في هذا الوطن، وأن أمنه وكرامته وحياته خطوطٌ لا يجوز الاقتراب منها.

إن الاعتداء الإجرامي الذي شهدته كنيسة حمود في محافظة الكرك، وما خلّفه من ضحايا ومصابين، فاجعةٌ مؤلمة تهزّ الضمير الإنساني، وتستدعي موقفًا وطنيًا مسؤولًا يليق بحرمة الدم، ويعبّر عن وجدان الأردنيين الذين يجمعهم وطنٌ واحد، ومصيرٌ واحد، ورايةٌ لا تفرّق بين أبنائها.

إلى أهلنا في الكرك، وإلى أسر الضحايا وذويهم، وإلى المصابين الذين نرجو لهم الشفاء العاجل، نقول: لستم وحدكم في هذا المصاب؛ فقلوب الأردنيين معكم، ووجعكم وجعنا، وحزنكم حزن كل بيتٍ أردني يدرك أن ما يصيب جزءًا من الوطن إنما يصيب الوطن كله. إنها جريمة مدانة بكل المقاييس، لا يمكن تبريرها تحت أي ذريعة، ولا اختزالها في الاعتداء على أفرادٍ فحسب؛ فهي اعتداء على حق الإنسان في الحياة والأمان، وعلى القيم الإنسانية التي تجمعنا، وعلى حرمة دور العبادة وقدسية الأماكن التي ينبغي أن يسودها السكون والرحمة.

إن الإرهاب ليس اعتداءً على أمن الوطن فحسب، وإنما اعتداءٌ على ضمير الإنسانية والقيم التي تجمعنا. فالدين لا يكون يومًا مبررًا للقتل، والاختلاف لا يمنح أحدًا حق الاعتداء، وحرمة الدم لا تتغير بتغير المعتقد؛ لأن كرامة الإنسان قيمةٌ أصيلة لا تقبل التجزئة أو الانتقاص. ومن يسعى إلى بث الخوف والفرقة بين الأردنيين يغفل أن وحدة هذا الوطن لم تكن وليدة ظرفٍ عابر، بل هي إرثٌ راسخ من التآخي والتكافل والتضحية والمسؤولية المشتركة، تتوارثه الأجيال وتصونه المواقف.

والكرك، بما تحمله من تاريخٍ وطني عريق ومكانةٍ راسخة في وجدان الأردنيين، ليست وحدها في مواجهة الألم؛ فالأردنيون جميعًا يقفون معها، مسلمين ومسيحيين، في صورةٍ تجسّد حقيقة وطنٍ تشارك أبناؤه الأفراح والأحزان، ووقفوا جنبًا إلى جنب في المحن، وأدركوا أن الوطن لا يُبنى على التشابه، بل على الاحترام، ولا تحميه الشعارات وحدها، بل تصونه المواقف الصادقة حين تُختبر القيم وتشتد الظروف.

ومن هنا، فإن مسؤوليتنا الوطنية تقتضي أن نكون على قدر هذه اللحظة؛ ندين الجريمة بأشد العبارات، ونقف إلى جانب أسر الضحايا والمصابين، ونثق بمؤسسات الدولة والأجهزة المختصة في كشف ملابسات الحادثة، وتحقيق العدالة، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون. وفي الوقت ذاته، علينا ألّا نسمح للشائعات أو المعلومات غير الموثوقة بأن تتحول إلى وقودٍ للفتنة، أو أن تُستغل هذه الجريمة لبث الكراهية والتحريض بين أبناء المجتمع الواحد.

فالغضب أمام الجريمة حقٌّ إنساني، أما تحويله إلى كراهيةٍ جماعية فليس انتصارًا للضحايا ولا وفاءً لذكراهم. والانتصار الحقيقي يكون بالتمسك بالحق، وصون كرامة الإنسان، ومحاسبة المسؤولين، وحماية المجتمع من كل محاولة تستهدف تمزيق نسيجه الوطني. فالوطنية الحقة لا تتعارض مع المطالبة بالعدالة، بل تقتضيها، ولا تتحقق بالانتقام والتعميم، بل بالوعي والاحتكام إلى القانون.

ستبقى وحدتنا وتماسكنا الوطني أبلغ ردّ على كل من يحاول النيل من أمن الوطن واستقراره. ونستذكر في هذا المقام ما كان يردده الشهيد الملك المؤسس عبدالله الأول بن الحسين :
«إذا قيل خيلُ الله يوماً ألا اركبي، وددتُ بكفِّ الأردنيِّ انسيابَها».

إن هذه الكلمات تستحضر عمق الانتماء الأردني، وما يحمله من معاني الشجاعة والتضحية والوفاء، وتذكّرنا بأن الأردنيين كانوا وسيبقون أهلًا للمواقف الوطنية الكبرى، يلتفون حول وطنهم في الشدائد، ويجعلون من وحدتهم وتماسكهم حصنًا منيعًا في وجه كل من يحاول العبث بأمنهم أو النيل من استقرارهم.

وستبقى وحدتنا الوطنية صمام الأمان الذي يحمي الأردن؛ لا لأنها تنكر الاختلاف، بل لأنها تسمو فوقه، ولا لأنها تتجاهل الجريمة، بل لأنها تواجهها بالعدالة والقانون والوعي. وتبرز في مثل هذه اللحظات مسؤولية الكلمة والإعلام، فالكلمة قد تواسي قلبًا مكلومًا وتعزّز التماسك الوطني، وقد تؤذي وتضلل إذا استبقت الحقائق أو أسهمت في نشر الشائعات. ومن واجبنا أن نكون أوفياء للحقيقة، حريصين على مشاعر أسر الضحايا، مسؤولين عمّا ننشر ونقول، واضعين مصلحة الأردن فوق كل اعتبار؛ فحماية الوطن لا تكون بالأمن وحده، بل بالوعي أيضًا، وبالقدرة على التمييز بين الحقيقة والإشاعة، وبين المطالبة بالعدالة والدعوة إلى الكراهية.

إلى الكرك الحبيبة نقول: إن مصابكم مصاب وطنٍ بأكمله، وإن أبناء الأردن سيبقون أهلًا لبعضهم، يتقاسمون الحزن كما تقاسموا الأمل، ويتساندون في الشدائد كما تساندوا في مسيرة البناء والعطاء. فنحن لبعضنا عزوةٌ وسند، وما يجمعنا أعمق من أن تنال منه جريمة أو تضعفه محاولات الفتنة؛ إنه تاريخٌ من التضحية، ووجدانٌ مشترك، وإيمانٌ بأن أمن الوطن مسؤولية الجميع، وأن الاعتداء على أي مواطن هو اعتداء على حق جميع المواطنين في الطمأنينة والكرامة.

رحم الله شهداء الوطن، وألهم ذويهم، أهلنا وأحبّتنا، الصبر والسلوان، ونسأل الله أن يتغمّد الضحايا بواسع رحمته، وأن يمنّ على المصابين بالشفاء العاجل، وأن يحفظ الأردن قيادةً وشعبًا وأرضًا، ويديم عليه نعمة الأمن والاستقرار، ويبقي قلوب أبنائه متآلفةً متماسكةً لا تنال منها محاولات الفتنة والعبث.

قلوبنا مع الكرك، ودعاؤنا لأهلها، وعهدنا للأردن أن نبقى أوفياء لوحدته وكرامة أبنائه. فالأردن ليس وطنًا يجمعنا تحت رايةٍ واحدة فحسب، بل أسرةٌ واحدة إذا تألّم فردٌ منها تألّمت، وإذا استُهدف أحد أبنائها وقفت معه، وإذا حاولت الفتنة أن تفرّقها ازدادت تمسّكًا بأخوّتها. قد يشتدّ الوجع، لكن الوطن الذي تسنده المحبة والوعي والعدالة لا تكسره رصاصة، ولا تهزمه جريمة، ولا تنتصر عليه الفتنة.

حفظ الله الأردن، ورحم الشهداء، وشفى المصابين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والأمان.

زر الذهاب إلى الأعلى