منبر الكلمة

حنين معلب

ثمة شوق لا تفسّره الذاكرة، ليس حنيناً إلى ما مضى، بل إلى ما لم يكن. إلى مدينة لم نزرها.. وسهرة لم نحضرها، وحب لم نختبره، وزمن انتهى قبل أن نبدأ.

أسمع فرانك سيناترا يصدح عبر مذياع سيارتي فيداهمني شيء يصعب تسميته، شيء يشبه الفقد، لا يمكن تفسيره.. وُلدت بعد تلك الحقبة بعقود، ولا يربطني بها سوى صوت رجل غنّى لعالم لم يعد موجوداً. ومع ذلك تسكنني كلماته أكثر مما يسكنني كثير مما كُتب وعُزف في زمني.

لطالما قيل لي أني أتعاطى مع الكون بعاطفة قديمة الطراز وأنه عارضٌ لا علاج له – ربما- لكنني بدأت أتساءل إن كان هذا الشوق الغامض للمجهول من صنعي أنا، أم من صنع شيء آخر، أكبر وأكثر ذكاءً، تعلّم كيف يزرع فينا التوق إلى ما لم نعشه.
علم النفس أعطى هذه الظاهرة اسماً لا بأس به وهو: “الحنين التخيّلي” أو Anemoia، الشوق إلى زمن لم تطأه أقدامنا .

وهو يختلف عن النوستالجيا التقليدية المرتبطة بذاكرة حقيقية، حتى وإن جمّلها الزمن. هذا النوع لا ذاكرة له أصلاً، نقي لا يلوّثه واقع سابق. نفتقد أشخاصاً لم نلتقِهم، ونتوق إلى حب رسمته الكاميرا قبل أن تصفه التجربة.

عبدالحليم حافظ لم يغنِّ لنا، غنّى لجيل سبقنا، في مدن تغيّرت ولحظات انقضت وأزمانٍ ولّت.. ومع ذلك، فحين يعلو صوته، يعتصرنا شيء يشبه الخسارة، خسارة لما لم يكن لنا أصلاً.

وهذا ما يجعل هذا الشعور أكثر غرابةً وأكثر إنسانيةً في آنٍ واحد، فهو لا يخبرنا عن الماضي، لكنه يكشف لنا عن رغبة عميقة فينا لم تجد زمناً تسكنه.

لا أعتقد أنّ الفنون وحدها تخلق هذا الشوق، لكنها بأطيافها المتعددة  تصنع اللحظات التي تخلد الشعور ذاته  فحين غنّت فيروز بيروت لم تصف مدينة بقدر ما رسمت أسطورة. وحين ودّع همفري بوغارت حبيبته في الضباب والمطر في “الدار البيضاء”، أو حين وقفت سكارليت أوهارا في “ذهب مع الريح” أمام أفق محترق تُقسم ألا تجوع مرة أخرى، لم تكن تلك مجرد مشاهد. كانت تعريفات.

تعريفات علّمتنا كيف يبدو الحب والخسارة قبل أن تعلّمنا الحياة كيف يُشعَر بهما. لم يكن أحد يعرف، حين صُوّرت تلك الأعمال، أنها ستصبح مرجعاً للاشتياق، لكن الزمن يفعل بالأشياء ما لا يمكن فعله بالمفاهيم  المجردة.

والسؤال الذي يبقى معلقاً: لماذا تظل تلك المشاهد مشحونة بعد عقود؟ نشاهد “الدار البيضاء” بعد ثمانين عاماً فيداهمنا شيء لا نعرف كيف نسمّيه. ليست قصتنا، ولا حقبتنا، ومع ذلك تتحرك أوتار قلوبنا.. ربما لأن البشر، في جوهرهم، متشابهون، والحب والفقد لا يعرفان زمناً بعينه. أو ربما لأننا متعبون من الحاضر لذا نبحث عن الجمال في أي زمن آخر. اشتياقنا إلى ما لم نعشه ليس فقط توق للماضي، بل هو أحياناً إعلان خفي عن خيبة من اليوم.

لكن المشكلة في نظري لا تتوقف حين نشعر بهذا الحنين، بل حين يصبح قابلاً للاستثمار؟

هل نبني تصوّراتنا عن الحب والخيانة والانتظار والفقد من التجربة الحقيقية، أم أن الأدب والسينما شكلّتها قبل أن نعيشها؟
حين قرأنا “مرتفعات ويذرينغ” لإميلي برونتي، للمرة الأولى؛ تلك الرواية الصادرة عام 1847 والتي لم تتوقف عن إثارة الأرواح منذ ذلك الحين، لم نكن نقرأ قصة فحسب. كنا نتعلم كيف كيف للحب ان يكون  ..عرفنا عبر ” هيثيكليف” كيف تبدو الغيرة، وكيف يتصرف العشاق ..وحين غنّت أم كلثوم “الأطلال”، كنّا نتعلم كيف يبدو الانتظار. فالإعلام لا يعكس المشاعر، فقط بل يُعرّفها. يزرع فينا مبكراً نماذج عمّا ينبغي أن يكون عليه العشق والألم والخسارة، قبل أن تمنحنا الحياة فرصة لاكتشافها بأنفسنا.

الصناعة لا تعرف هذا الفارق، ولا يعنيها. هي تعرف شيئاً واحداً: أن في كل واحد منا ثغرة لا تُسدّ، وأن هذه الثغرة مربحة. فتبني عليها إمبراطوريات.

التطبيقات الرقمية اليوم لا تسألك عمّا ومن تشتاق إليه حقاً. لكنها وعبر خوارزمياتها تلاحظ أن موجة الحنين لحقبة بعينها تتصاعد، فتضخّ في اتجاهها الأغاني والأفلام والصور والاعلانات.. تستعير صوت أم كلثوم لتبيع عطراً، وأبيض وأسود الستينيات لتبيع سيارة. لا تبيعك الماضي كما كان، بل كما تتمنى أن يكون: مُصفّى من كل ما يؤلم، مُلمّعاً بما يُبهج، ومُصمَّماً كي لا يُشبَع. يأخذون منك شعوراً إنسانياً عميقاً ويعيدونه إليك منتجاً. والفارق بين التجربتين هو هذا: الأولى تفتح فيك باباً، والثانية تبيعك مفتاحاً لغرفة فارغة.

هل أنا رومانسية بلا علاج؟ ربما. لكن ما يحيّرني أكثر هو سؤال آخر: كيف للمرء أن  يتعافى من توق لا يعرف مصدره؟ لا طبيب يصف دواءً لمن يشتاق إلى زمن لم يعشه.. كيف نشفى من نوستالجيا باتت سلعة؟

الفقد الحقيقي له اسم ووجه، أما هذا الشعور الغامض الذي يداهمك مع أغنية، أو لقطة، أو رائحة قهوة في مقهى قديم، فلا أحد يعرف كيف يسمّيه، ناهيك عن كيف يُشفى منه.

وربما لأنه لا يحتاج إلى شفاء. ما نشتاق إليه حقاً ليس نسخة  “هيثكليف،” من الحب.. ولا أحداث تلك الحقب البعيدة. نشتاق إلى تلك النسخة منّا التي كانت تصدّق أن هذا كله ممكن.

الغد

زر الذهاب إلى الأعلى