
حمامات الشونة الشمالية… مشروع السياحة العلاجية الذي خبا بين تعثر الاستثمار وغياب الإدارة
تقرير أعده فريق آفاق نيوز
في قلب الأغوار الشمالية، حيث تمتد الطبيعة على اتساعها بين دفء الأرض ورطوبة الوادي، تقف حمامات الشونة الشمالية المعدنية اليوم بصمتٍ ثقيل. مبانٍ كانت يومًا ما تستقبل الباحثين عن العلاج والاستجمام، تحوّلت إلى فضاءٍ شبه مهجور، فيما يبقى السؤال معلّقًا: كيف لمشروعٍ يمتلك كل مقومات النجاح أن ينطفئ بهذه الصورة؟
هذه ليست حكاية إغلاق رسمي بقدر ما هي قصة تراجع تدريجي لمشروع سياحي علاجي كان يمكن أن يتحول إلى أحد أبرز الوجهات العلاجية في الأردن، لو حظي بإدارة مستقرة ورؤية استثمارية طويلة الأمد.
بداية الفكرة… حين تحولت المياه إلى مشروع
تعود جذور حمامات الشونة الشمالية إلى ثمانينيات القرن الماضي، حين جرى استثمار الينابيع الحارة في المنطقة، والتي عُرفت بخصائصها المعدنية والعلاجية، لتتحول إلى مشروع سياحي علاجي حمل آمالًا كبيرة لأبناء المنطقة.
وبمبادرة من بلدية معاذ بن جبل، أُنشئت “القرية السياحية” بهدف استثمار الموقع وتحويله إلى منتجع علاجي يستفيد من طبيعة الأغوار ومواردها الطبيعية، وسط طموحات بتحويله إلى مقصد للزوار من داخل الأردن وخارجه، في وقت بدأت فيه السياحة العلاجية تحظى باهتمام متزايد.
ملكية بلدية… وتشغيل استثماري متعثر
ظلّ المشروع مملوكًا لبلدية معاذ بن جبل، التي اعتمدت على تأجيره لمستثمرين لإدارته وتشغيله خلال فترات مختلفة. إلا أن هذا النموذج، رغم شيوعه في مشاريع مماثلة، بدا هشًا أمام تحديات الواقع، مع تغير المستثمرين بصورة متكررة، وتعثر بعض عقود التشغيل، وغياب خطة تطوير بعيدة المدى تضمن استدامة المشروع.
ومع كل تغيير في الإدارة، كان المشروع يفقد جزءًا من زخمه، حتى وصل تدريجيًا إلى حالة من التراجع والتوقف شبه الكامل.
أين بدأ التراجع فعليًا؟
لم يكن التدهور مفاجئًا، بل جاء على شكل سلسلة من التراكمات التي أسهمت في إضعاف المشروع عامًا بعد آخر.
أولى هذه التحديات تمثلت في ضعف الاستثمار في الصيانة والتشغيل، وهو عنصر أساسي في أي منشأة تعتمد على المياه العلاجية التي تحتاج إلى تشغيل دائم ومرافق صحية وخدمية بمستوى جيد.
كما أسهم تعثر أو انتهاء بعض عقود الاستثمار دون وجود بدائل جاهزة في توقف النشاط السياحي تدريجيًا، إلى جانب غياب رؤية تطوير شاملة تنقل الموقع من منشأة تقليدية إلى منتجع علاجي متكامل يواكب متطلبات العصر.
ويرى متابعون أن محدودية قدرات الإدارة المحلية على إدارة مشروع سياحي استثماري طويل الأمد، في ظل غياب شراكات استراتيجية فعالة، كانت من بين العوامل التي ساهمت في تعميق الأزمة.
شهادات محلية… استغراب ومطالبات بإعادة الإحياء
على أرض الواقع، يعبر عدد من أبناء المنطقة ورواد الحمامات السابقين عن استغرابهم من الواقع الذي وصلت إليه حمامات الشونة الشمالية، باعتبارها كانت تشكل مقصدًا علاجيًا وسياحيًا مهمًا.
ويقول المزين فؤاد قضماني، أحد رواد الحمامات، إنه تفاجأ من توقفها، مشيرًا إلى أن المكان كان يشكل وجهة علاجية يقصدها كثير من الزوار بصورة متكررة، مطالبًا بإعادة تشغيله واستثماره من جديد.
وفي السياق ذاته، يؤكد المستثمر سالم العكور من محافظة إربد أن إغلاق مياه الشونة الشمالية العلاجية “أمر مستغرب”، بالنظر إلى ما تمتلكه المنطقة من مقومات طبيعية وسياحية قادرة على إنجاح مشروع علاجي وسياحي متكامل إذا ما أُدير بطريقة سليمة.
أما نبيل المصري، صاحب صالون حلاقة وأحد رواد الشونة الشمالية، فيرى أن الحمامات كانت تشكل متنفسًا سياحيًا وعلاجيًا لأبناء الوطن، وأن كثيرًا من العائلات اعتادت زيارتها للاستجمام والعلاج الطبيعي، قبل أن تتحول اليوم إلى موقع شبه مهجور، مطالبًا بإعادة فتحها وإحيائها من جديد.
وتعكس هذه الشهادات، رغم بساطتها، قاسمًا مشتركًا واضحًا: أن المشروع لم يفقد أهميته، بل فقد استمراريته التشغيلية.
الإغلاق غير المعلن… حين تتوقف الحياة دون قرار
ورغم عدم وجود إعلان رسمي واضح بإغلاق حمامات الشونة الشمالية بشكل نهائي، إلا أن الواقع يشير إلى ما يمكن وصفه بـ”الإغلاق الوظيفي التدريجي”، حيث توقفت المرافق والخدمات العلاجية بصورة شبه كاملة، وتراجع النشاط السياحي إلى الحد الأدنى، حتى بات الموقع خارج دائرة الاستخدام الفعلي.
إنه نوع من الإغلاق الذي يحدث حين يغيب التشغيل، لا حين يصدر القرار.
تحديات البنية التحتية والبيئة التشغيلية
إلى جانب التحديات الاستثمارية، تواجه المنطقة عمومًا ضغوطًا مرتبطة بالبنية التحتية والخدمات، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على أي مشروع يعتمد على الموارد الطبيعية.
ويرى مهتمون بالشأن المحلي أن أي محاولة لإعادة تشغيل الحمامات تحتاج إلى رؤية متكاملة، لا تقتصر على إعادة فتح الأبواب فقط، بل تشمل تحديث البنية التشغيلية والإدارية وتوفير بيئة استثمارية أكثر استقرارًا.
محاولة للحصول على رد رسمي
وفي إطار السعي للوقوف على أسباب تعثر حمامات الشونة الشمالية المعدنية، حاولت “آفاق نيوز” التواصل مع رئيس لجنة بلدية معاذ بن جبل المهندس معتصم العمري، للاستفسار حول أسباب توقف المشروع ومستقبله، وخطط البلدية لإعادة تشغيله أو طرحه للاستثمار من جديد، غير أن محاولات التواصل انتهت دون تلقي رد على هاتفه حتى لحظة إعداد هذا التقرير، بما حال دون الحصول على الرواية الرسمية بشأن ما آلت إليه الأوضاع هناك.
بين الواقع والإمكانات الضائعة
المفارقة في حمامات الشونة الشمالية أنها ما تزال تمتلك عناصر الجذب الأساسية: مياه معدنية حارة، وموقعًا طبيعيًا في الأغوار، وقربًا من مسارات سياحية نشطة، إلا أن هذه المقومات بقيت دون استثمار فعلي قادر على تحويلها إلى مشروع سياحي علاجي مستدام.
وبين المياه التي ما تزال تتدفق، والمباني التي تنتظر من يعيد إليها الحياة، يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجهات المعنية:
هل يُعاد إحياء هذا المشروع برؤية حديثة وشراكة استثمارية حقيقية؟ أم يبقى شاهدًا على فرصة سياحية ضاعت بين الإدارة المتقلبة والاستثمار غير المستقر؟
