QFEX 2026
منبر الكلمة

حكومة أصغر… دولة أكثر كفاءة

هل حان وقت تقليص الوزارات في الأردن؟

بقلم أ.د. عاطف البواب

منذ عام 2000 وحتى اليوم، مرّ الأردن بعشرات التعديلات الحكومية وتبدّل عدد كبير من الوزراء، لكن المواطن ما يزال يواجه الأسئلة نفسها: أين فرص العمل؟ ولماذا ترتفع كلفة المعيشة؟ وهل أصبح الجهاز الحكومي أكثر كفاءة أم أكثر تضخمًا؟

الواقع يشير إلى أن المشكلة ليست في عدد الحكومات فقط، بل في تضخم الهيكل الإداري وتداخل الصلاحيات بين الوزارات. فخلال ربع قرن تقريبًا توسع الجهاز الحكومي، بينما بقيت مؤشرات البطالة والضغوط المعيشية من أبرز التحديات التي تواجه الأردنيين.

وفق بيانات دائرة الإحصاءات العامة، كانت البطالة في الأردن تدور حول 13% في بداية الألفية، ثم ارتفعت تدريجيًا لتتجاوز 24% خلال ذروة جائحة كورونا عام 2021، قبل أن تنخفض لاحقًا إلى نحو 16.1% لإجمالي السكان في الربع الأول من عام 2026. أما بطالة الأردنيين وحدهم فما تزال أعلى من ذلك بكثير، إذ تتجاوز 21% بحسب البيانات الرسمية الحديثة. وهذا يعني أن مشكلة التشغيل ما تزال قائمة رغم تعدد البرامج والخطط والوعود الحكومية.

وفي المقابل، شهدت المملكة موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، خصوصًا بعد جائحة كورونا والأزمات العالمية. وتشير بيانات التضخم الرسمية إلى استمرار ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك، حيث بلغ معدل التضخم لعام 2025 نحو 1.77% مقارنة بعام 2024، بينما يشعر المواطن بأن الزيادة الفعلية في تكاليف الغذاء والسكن والنقل والخدمات تفوق بكثير هذه النسبة.

ومن أكثر الوزارات التي تستحق مراجعة جادة وزارة العمل. فالغاية الأساسية من وجودها هي تنظيم سوق العمل، وتوفير فرص التشغيل، وتقليل البطالة. لكن بعد أكثر من عقدين من السياسات المتعاقبة، بقيت البطالة مرتفعة، وتزايدت أعداد الخريجين الباحثين عن عمل، واستمر الاعتماد على العمالة الوافدة في قطاعات عديدة. وهذا يفرض سؤالًا مشروعًا: هل المشكلة في الأدوات أم في هيكل الوزارة نفسه؟

قد يكون الحل في إعادة توزيع مهام وزارة العمل بدلًا من استمرارها بالشكل الحالي؛ فتُنقل ملفات العمالة الوافدة والتفتيش إلى وزارة الداخلية، بينما تُسند برامج التشغيل والتنمية المحلية والتدريب المهني إلى وزارة الإدارة المحلية بالتعاون مع البلديات والمحافظات، بحيث تصبح كل محافظة مسؤولة عن بناء خطتها التشغيلية وفق احتياجاتها الاقتصادية الحقيقية.

كما أن الأردن بحاجة إلى دمج عدد من الوزارات المتشابهة في الاختصاص لتقليل النفقات الإدارية وتسريع القرار. ويمكن الاكتفاء بعشر وزارات رئيسية تقريبًا، تشمل: الداخلية، الخارجية، المالية، العدل، التربية والتعليم والتعليم العالي، الصحة، الاقتصاد والتنمية والاستثمار، البنية التحتية والنقل والإسكان، الإدارة المحلية والتنمية، والطاقة والمياه. أما الوزارات الأخرى فيمكن دمجها ضمن هذه الحقائب الكبرى.

المطلوب اليوم ليس مجرد تغيير أسماء الوزراء، بل إعادة تصميم الدولة الإدارية على أساس الكفاءة والنتائج. فالحكومة الرشيقة أقل كلفة وأكثر قدرة على التنسيق واتخاذ القرار، وتتيح توجيه الموارد نحو التعليم والصحة والاستثمار بدل تضخم الجهاز البيروقراطي.

لقد أثبتت التجربة أن المواطن لا يقيس نجاح الحكومات بعدد الوزارات، بل بقدرته على إيجاد وظيفة، ودفع فواتيره، وتأمين حياة كريمة لأسرته. وإذا أراد الأردن دخول مرحلة جديدة من الإصلاح، فإن البداية الحقيقية قد تكون من تقليص الوزارات ودمج المتشابه منها، وربط كل وزارة بمؤشرات أداء واضحة تُحاسَب عليها أمام الناس.

زر الذهاب إلى الأعلى