
توقف النفط العراقي يختبر قدرة الأردن على احتواء كلفة الطاقة والأسعار
بقلم أ.د. عاطف البواب
يضع توقف إمدادات النفط العراقي إلى الأردن منذ بداية عام 2026 كلفة الطاقة أمام اختبار جديد، ليس من زاوية توفر المشتقات النفطية، وإنما من زاوية ارتفاع كلفة الاستيراد وانعكاسها المحتمل على النقل والإنتاج وأسعار السلع والخدمات خلال الأشهر المتبقية من العام. وتزداد أهمية هذا الملف في ظل ارتفاع أسعار النفط العالمية إلى مستويات تقارب 100 دولار للبرميل، وسط استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
وتشير بيانات وزارة الطاقة والثروة المعدنية إلى أن الاتفاق الأردني العراقي كان يسمح للمملكة باستيراد ما يصل إلى 10 آلاف برميل يومياً من خام كركوك، أي ما يعادل نحو 7% من احتياجات الأردن النفطية. وبحساب سنوي، فإن هذه الكمية تصل إلى نحو 3.65 مليون برميل. أما خلال عام 2025، فقد بلغت الكميات المستوردة نحو 2.75 مليون برميل.
وتكمن أهمية النفط العراقي في السعر وليس في الكمية فقط. فالأردن كان يشتري الخام وفق متوسط سعر خام برنت الشهري مخصوماً منه 16 دولاراً للبرميل. وتوضح وزارة الطاقة أن هذا الخصم يتضمن 3.4 دولارات فرق جودة، و0.09 دولار كلفة فحص، و7.75 دولارات للنقل، بينما يبلغ الوفر الذي تستفيد منه الخزينة فعلياً نحو 4.76 دولارات للبرميل.
وبالتالي، فإن استمرار توقف الإمدادات طوال عام كامل يعني فقدان وفر مباشر للخزينة يمكن تقديره، عند مستوى 10 آلاف برميل يومياً، بنحو 17.4 مليون دولار سنوياً، أي ما يقارب 12.3 مليون دينار أردني، مع اختلاف الرقم الفعلي بحسب الكميات التي كان سيتم توريدها فعلياً. وهذا يوضح أن المشكلة الأساسية ليست خسارة 16 دولاراً كاملة عن كل برميل، لأن جزءاً كبيراً من هذا الفرق يمثل تكاليف نقل وجودة.
أما التأثير على المستهلك، فيحتاج إلى قراءة أكثر دقة. فالأردن لم يدخل في نقص للمشتقات بسبب توقف النفط العراقي، كما أن الحكومة تستخدم سياسة التدرج في عكس أسعار النفط العالمية على السوق المحلية. ففي أيلول 2026 ثبتت أسعار البنزين أوكتان 90 عند 1.000 دينار للتر، وأوكتان 95 عند 1.310 دينار، والديزل عند 850 فلساً، والكاز عند 550 فلساً، فيما بقيت أسطوانة الغاز المنزلي 12.5 كغم عند 7 دنانير. وفي المقابل، بلغت الفروقات السعرية التي تحملتها الخزينة منذ بداية الأزمة وحتى نهاية آب نحو 224 مليون دينار.
وهنا تظهر أهمية أسعار النفط العالمية أكثر من توقف النفط العراقي ذاته. فقد سجل خام برنت في 16 أيلول نحو 105.83 دولار للبرميل، ثم تراجع إلى نحو 100.34 دولار في 20 أيلول، قبل أن يدور في 22 أيلول حول مستوى 100 دولار وسط استمرار عدم اليقين بشأن الإمدادات العالمية.
وفي الأردن، بلغ معدل التضخم خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2026 نحو 2.20% مقارنة بـ2025، بينما بلغ التضخم في آب 2.66% على أساس سنوي، مع انخفاض شهري في مؤشر الأسعار بنسبة 0.25% مقارنة بتموز. وهذه الأرقام تشير إلى أن الضغوط السعرية موجودة، لكنها لم تتحول حتى الآن إلى موجة تضخمية واسعة.
لكن استمرار ارتفاع النفط والديزل حتى نهاية العام يمكن أن ينتقل تدريجياً إلى أسعار السلع. فزيادة كلفة الديزل ترفع كلفة نقل الغذاء والخضار والفواكه والسلع المستوردة من العقبة إلى المحافظات، كما تزيد تكاليف تشغيل المصانع والمخابز وبعض الأنشطة التجارية. ولذلك فإن التأثير المتوقع سيكون غير مباشر ومتفاوتاً بين القطاعات، وليس زيادة موحدة على جميع السلع.
وتبرز أمام الحكومة عدة حلول. الأول، إعادة تفعيل تدفق النفط العراقي وفق آلية مستقرة وطويلة الأجل، لأن استمرار الاتفاق يوفر مصدراً قريباً وميزة سعرية مهمة. والثاني، تنويع مصادر استيراد النفط والمشتقات وعدم الاعتماد على مصدر واحد. والثالث، إدارة المخزون الاستراتيجي بصورة تسمح بامتصاص الصدمات المؤقتة. والرابع، تسريع الاستثمار في الطاقة المتجددة وكفاءة استهلاك الطاقة، لتقليل حساسية الاقتصاد الأردني لأسعار النفط.
كما أن مشروع نقل النفط العراقي إلى العقبة يمثل حلاً استراتيجياً أبعد من معالجة التوقف الحالي؛ إذ يمكن أن يوسع التعاون الاقتصادي بين البلدين ويعزز موقع الأردن اللوجستي والطاقة في المنطقة.
وبالنظر إلى نهاية 2026، فإن توقف النفط العراقي وحده لا يرجح أن يؤدي إلى قفزة كبيرة في أسعار السلعبسبب محدودية حصته البالغة نحو 7% من الاحتياجات النفطية. أما الخطر الأكبر فيتمثل في استمرار النفط العالمي حول 100 دولار أو أكثر، بالتزامن مع ارتفاع تكاليف الديزل والشحن. وفي هذه الحالة ستتزايد الضغوط على كلف النقل والإنتاج، وقد تنتقل تدريجياً إلى أسعار المستهلك، ما يجعل المحافظة على استقرار أسعار الطاقة والسيطرة على كلف النقل أولوية اقتصادية خلال الأشهر الأخيرة من العام.
