
تل الأربعين.. حين تكون فلسطين على مرمى القلب
عدنان نصّار
ثمة أماكن لا تكتفي بأن تستضيفك، بل تفتح أمامك نوافذ واسعة على الذاكرة والتاريخ والجغرافيا، وتجعلك ترى الأشياء بعيون مختلفة. وتل الأربعين واحد من تلك الأمكنة التي لا تمرّ بها مروراً عابراً، ولا تغادرها كما جئتها؛ فهناك، حين تتسع العين للمشهد، يصبح للقلب كلام آخر.
جمعتني دعوة كريمة من الأخ والصديق، الجنرال العسكري المتقاعد أحمد الغزاوي، أبو فواز، إلى لقاء ضمّ جمعاً من الجنرالات والضباط المتقاعدين من الجيش العربي الأردني، بحضور وزيرين سابقين، الأخ علي الظاهر الغزاوي، والأستاذ الدكتور محمد طالب عبيدات.
كنت اعبر الطريق من إربد نحو الغرب بإتجاه تل الأربعين برفقة الأخ والصديق مروان الصفوري ..حديثنا لم يغفل فلسطين المحتلة عندما صرنا على ضفاف الشونة الشمالية..
أعترف كصحفي كنت أسير اللحظة والمشهد..
كان لقاءً يحمل دفء الصداقة، ونكهة الوفاء لرجالٍ عرفوا المؤسسة العسكرية الأردنية، وعاشوا سنوات من الخدمة والانضباط والمسؤولية، وظلت بينهم وشائج تتجاوز رتب الماضي ومواقع المسؤولية، إلى ما هو أعمق: الذاكرة المشتركة، والرفقة، والانتماء إلى وطن يعرف أبناؤه معنى أن تكون الجغرافيا جزءاً من الحكاية الوطنية.
لكن المكان كان يخبئ لنا حكاية أخرى.
كنا نجلس في تل الأربعين، قبالة فلسطين المحتلة تماماً. لا تفصلنا عنها سوى دقائق بالسيارة، وربما كانت المسافة بيننا وبينها أقصر بكثير حين يذهب النظر إليها، ويترك للقلب أن يستكمل ما تعجز عنه الطرق.
هناك، لا تبدو فلسطين خبراً في نشرة أخبار، ولا عنواناً عابراً في صحيفة، ولا قضية مؤجلة إلى موعد سياسي جديد. إنها أرض تراها بعينيك، وتدرك كم هي قريبة من المكان، وكم يمكن أن تكون بعيدة في حسابات السياسة والحدود والتحولات.
تتأمل المشهد، فتشعر أن الجغرافيا تقول شيئاً لا يحتاج إلى كثير من الشرح. فلسطين هناك، في مرمى البصر، حاضرة بكل ما تحمله من ذاكرة ووجع وحق، فيما نحن هنا، على أرض أردنية تعرف جيداً معنى الجوار، وتعرف أن فلسطين ليست مجرد اسم يرد في الخطابات، بل حكاية ممتدة في الوجدان العربي والأردني.
ولعل أكثر ما يمنح هذا المشهد دلالته أن الجالسين كانوا رجالاً من الجيش العربي الأردني، رجالاً حملوا في سيرتهم معنى المؤسسة العسكرية، وما ارتبط بها من واجب وطني وتاريخ من المسؤولية. لم يكن حضورهم مجرد مناسبة اجتماعية، بل كان لقاءً بين ذاكرة الرجال وذاكرة المكان، في بقعة تضع فلسطين أمام العين مباشرة، وتعيد طرح الأسئلة التي لا تغيب عن الوجدان.
في مثل هذه اللحظات، لا تحتاج إلى أن ترفع صوتك كي تعبّر عن انتمائك، ولا إلى أن تستحضر الشعارات كي تثبت موقفك. يكفي أن تنظر إلى فلسطين، وأن تدرك أن المسافة التي تقاس بالكيلومترات قد لا تعني شيئاً حين يتعلق الأمر بالحق والذاكرة والوجدان.
كان الحديث بين الحاضرين يأخذ مجراه الطبيعي، وكانت للقاء حميميته، وللأصدقاء أحاديثهم وذكرياتهم. غير أن المشهد المقابل ظلّ أكبر من أن يكون تفصيلاً في خلفية الجلسة. كانت فلسطين تشاركنا المكان بصمتها البعيد القريب، كأنها تذكّرنا بأن بعض القضايا لا تغيب عن المجالس، حتى حين لا تكون موضوع الحديث المباشر.
شكراً للصديق أبي فواز، أحمد الغزاوي، على الدعوة الكريمة، وعلى هذا اللقاء الذي جمع الوجوه الطيبة، وأتاح لنا أن نلتقي برجالٍ لهم مكانتهم وتجربتهم وذكرياتهم. والشكر موصول للأخ علي الظاهر الغزاوي، وللأستاذ الدكتور محمد طالب عبيدات، ولسائر الحاضرين الذين أضفوا على اللقاء قيمته الإنسانية والوطنية.
غادرت تل الأربعين، أو لعلني بقيت فيه لبعض الوقت، أحمل صورة المكان وما أثاره في النفس من أفكار. ثمة لقاءات تنتهي بانتهاء الجلسة، وثمة لقاءات تظل مفتوحة في الذاكرة، لأن المكان الذي احتضنها كان أكبر من المناسبة، ولأن ما رأته العين بقي يتردد في القلب.
في تل الأربعين، كانت فلسطين قبالتنا تماماً؛ دقائق قليلة بالسيارة، ومرمى قلب بالنظر.
وكم من أرضٍ قريبة من أعيننا، بعيدة عن أيدينا، لكنها تظل أقرب إلينا من كل المسافات.
