منبر الكلمة

الكرك ليست للفتنة… والأردن وطنٌ يجمعنا

 

بقلم: حنان أبو شقرة
عضو لجنة التربية والتعليم/حزب القدوة الأردني
نحن أبناء الأردن الذي يعد أنموذجاً في التآخي واللحمة الوطنية ،على اختلاف طوائفنا الدينية كالجسد الواحد الذي يتألم بمصاب أحد أعضائه.

حين تُستباح حياة إنسان بسبب دينه، لا يكون التعدّي لطائفة بعينها، بل يكون ذلك تحاوزاً لكل القيم الدينية والإنسانية والأعراف الوطنية بل والوطن بأسره.

قال رسول الله ﷺ: «مَن قتل معاهدًا لم يَرَحْ رائحة الجنة»، رواه البخاري. وهذا الحديث النبوي الشريف يؤكد عِظَم حرمة الاعتداء على من يعيش في أمان وعهد، ويجسد المبدأ الإسلامي الأصيل في صيانة الدماء والحقوق والكرامة الإنسانية.

ولقد ضرب الرسول الكريم ﷺ أروع الأمثلة في التعامل مع أصحاب الديانات الأخرى؛ فعندما قدم وفد نصارى نجران إلى المدينة المنورة، استقبلهم وأدار معهم الحوار، وتذكر كتب السيرة أنهم مارسوا شعائرهم الدينية في المسجد النبوي بإذنه. كما أرسى النبي ﷺ في وثيقة المدينة أسس تنظيم العلاقة بين مكونات المجتمع، بما يحفظ الحقوق ويؤكد مسؤولية الجميع في صيانة الأمن والاستقرار.

تلك هي أخلاق الإسلام التي نعرفها، وتلك هي القيم التي تربينا عليها: التسامح، والعدل، واحترام الإنسان، وصون كرامته، بعيدًا عن التعصب والكراهية والإقصاء. فأيُّ إسلامٍ يُراد له أن يكون غطاءً للتهجم على الآخرين؟ وأيُّ وطنٍ يمكن أن يستقر إذا أصبح الاختلاف في الدين ذريعةً للعداء؟

الكرك أكبر من الفتنة

إن ما شهدته الكرك من أحداث وتهجم على أبناء الطائفة المسيحية أمرٌ مرفوض ومدان، ولا يجوز التعامل معه باعتباره خلافًا عابرًا أو حادثةً لا تستحق الوقوف عندها؛ فالمساس بكرامة أي مواطن أردني بسبب دينه أو معتقده يمس جوهر المواطنة، ويهدد النسيج الاجتماعي الذي صانه الأردنيون عبر أجيال طويلة.

إن أبناء الطائفة المسيحية ليسوا ضيوفًا على هذا الوطن، ولا جماعةً طارئةً على تاريخه، بل هم شركاء أصيلون في أرضه وهويته ومسيرته. تجمعنا بهم الجغرافيا والتاريخ والذاكرة الوطنية، وتقف إلى جانبنا معهم محطاتٌ كثيرة من البناء والتضحية والعمل، كما تجمعنا أفراح الأردن وأتراحه، وتوحدنا راية واحدة وقيادة واحدة ومصير واحد.

والكرك، بتاريخها العريق ومواقف أبنائها الوطنية، أكبر من أن تختزلها تصرفات فردية أو أن تُشوَّه صورتها بأفعال تهدد السلم الأهلي. فالكرك التي عرفت الشجاعة والكرامة والوفاء، لا يمكن أن تكون ساحةً للكراهية أو منبرًا للتحريض والفتنة، ولن يقبل الأردنيون أن تتحول الاختلافات الدينية إلى جدران تفصل بين أبناء الوطن الواحد.

الوحدة الوطنية خط أحمر وقد أثبت
الأردن، عبر تاريخه، أن قوته الحقيقية تكمن في وحدته الوطنية، وأن تماسك أبنائه هو السد المنيع أمام كل محاولة للنيل من أمنه واستقراره. فالأردنيون، مسلمين ومسيحيين شركاء في بناء هذا الوطن، وتجمعهم قيم انسانية واثبتوا انتمائهم وتكافلهم معاً ليكونا جسرا نحو نهضة ومستقبل الأردن ، وعلى إيمان راسخ بأن الوطن يتسع للجميع.

ومن هنا، فإن استنكار الاعتداء على أبناء الطائفة المسيحية ليس دفاعًا عن فئة دون أخرى، بل هو دفاع عن الأردن نفسه، وعن دستوره وقيمه وأخلاق شعبه. فالسكوت عن خطاب الكراهية يفتح الباب أمام اتساعه، والتهاون مع التحريض يهدد أمن المجتمع بأكمله.

إن كل من يسعى إلى إثارة الفتنة الطائفية، أو التحريض على الكراهية، أو الاعتداء على المواطنين وممتلكاتهم، يجب أن يعلم أن الأردن دولة قانون ومؤسسات، وأن المساءلة القانونية العادلة هي الطريق إلى حماية المجتمع ورادعاً لكل من تسوّل له نفسه بتجاوز القانون. فلا مكان للفوضى أو الانتقائية في تطبيق العدالة، وكل من يعبث بالنسيج الوطني سيكون عرضة للمحاسبة القانونية. ولن تجد الفتنة موطئ قدم بين الأردنيين.

لقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني، في مواقفه الوطنية المتكررة، أهمية الوحدة الوطنية والعيش المشترك، وضرورة حماية أمن الأردن واستقراره، والتمسك بقيم الاعتدال والتسامح ورفض التطرف والكراهية.

وتنسجم هذه الثوابت مع النهج الأردني الذي يؤكد أن المواطنة أساس الحقوق والواجبات، وأن حماية دور العبادة وحرية ممارسة الشعائر الدينية وصون كرامة الإنسان مسؤولية الدولة والمجتمع معًا.
فهيبة الدولة لا تُصان بالشعارات وحدها، بل بإنفاذ القانون على الجميع، وحماية حقوق كل مواطن، ومنع أي طرف من استغلال الدين أو الانتماء لإشعال الفتنة أو تقويض استقرار المجتمع.

نحن أبناء الأردن، نعتز ونفخر بتاريخٍ تشابكت فيه أيدي المسلمين والمسيحيين في بناء المؤسسات، وخدمة المجتمع، والدفاع عن الأرض، والحفاظ على الهوية الوطنية.

ونعتز بالموقف الأردني الأصيل تجاه القضايا الدينية والوطنية، وبتمسك الأردن بحماية المقدسات، واحترام حرية المعتقد، ورفض التطرف، والدفاع عن قيم السلام والعدالة والكرامة الإنسانية.

إن مسؤوليتنا اليوم لا تقف عند حدود إدانة ما حدث، بل تتجاوز ذلك إلى حماية وعينا الوطني من كل خطاب يزرع الكراهية، وتربية أبنائنا على احترام الاختلاف، وتعزيز دور المدرسة والأسرة والمؤسسات الدينية والإعلامية في ترسيخ ثقافة المواطنة الحقة.

فالأوطان لا تُحمى بالأسلحة وحدها، بل تُحمى أيضًا بالوعي، والعدل، والتماسك الاجتماعي، والقدرة على رفض الظلم مهما كان مصدره .

إن الأردن ليس مجموعة طوائف متجاورة، بل أسرة وطنية واحدة. ولا مكان للفتنة بيننا ، بل نحن شركاء في الوطن نتقاسم فيه المسؤولية والكرامة والأمل.

وفي الختام، نقولها بوضوح لا يحتمل التأويل: إن الاعتداء على أي أردني بسبب دينه اعتداء على الأردن كله، وإن استهداف احد أطرافه هو استهداف للوطن اجمع ، وإن كل محاولة لشق الصف الوطني ستصطدم بوعي الأردنيين ووحدتهم وإيمانهم بوطنهم.

فلنقف صفًا واحدًا، مسلمون ومسيحيون، خلف قيادتنا الهاشمية، دفاعًا وحباً عن وطنٍ غاية أمانينا هو أن يبقى آمنًا عزيزًا موحدًا، ومؤمنين بأن قوة الأردن في أبنائه جميعًا.

حفظ الله الأردن، قيادةً وشعبًا، وحفظ الكرك وأهلها، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار، وأبقى رايته عاليةً موحدةً، عصيةً على كل من تسوّل له نفسه المساس بكرامته أو أمنه أو وحدته الوطنية.

وخابت كل يدٍ تطاولت على أمن الوطن.

زر الذهاب إلى الأعلى