منبر الكلمة

موزار المشرق

معتصم ناهض حتر
الأخبار اللبنانية – السبت 9 آب 2025
السماء ملبدة بالغيوم، والرياح شديدة البرودة تصفعني، بينما أسير مسرعاً. لا أسمع صوت الريح. أسمع موسيقى تنهمر من سماعتين في أذني، وتجتاح وجداني.
جسدي في مكانٍ بعيدٍ في نهايات الأرض ووعيي في بيروت، فزياد الرحباني يجرفني بعيداً من كل ما يحيط بي. ينطلق بموسيقى «ميس الريم» في كل الاتجاهات، في اللحن والتوزيع. حتى بعد أن يعتقد المرء بأن زياداً قد شارف على إرساله نحو السماء يبدأ مقطع صولو البيانو عند الدقيقة الثامنة والنصف.
في هذا المقطع يختلط الشرقي بالغربي، والجاز بالديسكو. ويجعل زياد النوتات من تريبليتس وتريلات تلعب بحرية، فتمضي كمقطوعة موسيقية من دون أن نشعر بأنها تقف على إيقاع ديسكو!
يستخدم زياد زمنين أحدهما منتظم والآخر غير منتظم. في انتظام الزمن المنتظم ثمة عشوائية ما. وفي عشوائية غير المنتظم ثمة انتظامٌ حقيقيٌّ، تعجز الكلمات عن تفسيره.
ما الذي يفعله زياد بكل هذه الأجناس الموسيقية التي يجمعها في آن؟ كأنه يزيل خطوط التماس بالقرب من المتحف الوطني في بيروت! السماء الآن ليست ملبدة بالغيوم، والرياح ساكنة، ولكنني استيقظت على خبر عصف بي: رحيل زياد الرّحباني. كيف يمكن تلقّي خبر كهذا؟
بالبكاء؟ بالتفكير في كم الألم الذي يجب أن تتحمله السيدة فيروز؟ إنه جزء منا، وذهابه أعاد وضعنا أمام الأسئلة المصيرية ذاتها المتعلقة بالإنسان والوطن ومستقبل البشرية. يفتح بوابات الأسئلة الكبرى تلك التي تأخذنا دوماً نحو التفكير بالوقت «بكل الوقت»، بالخمسة عشر عاماً التي أضاعها الإخوة في قتل بعضهم، وربما ليس الإخوة في لبنان فحسب، بل أيضاً الإنسان لأخيه الإنسان.
عقلي مشتت، وأشعر بحزن من نوع آخر. ليس ذلك الحزن الذي يأتي بالدموع، بل بحزن دفين يأخذني بعيداً من كل هذا الضجيج ويغرقني بصمت. الذكريات في دماغي تأخذني من مكان إلى آخر وأتذكّر حين كنتُ أمشي بين أوراق الشجر الذهبية والخمرية المتساقطة في فصل الخريف، في نوفمبر، الشهر الذي ولدت فيه السيدة فيروز.
أعود للتفكير في صوتها الذي يعجز الكاتب والشاعر عن وصفه، وفي ذلك الاختمار المخملي في صوتها عندما أستمع لتسجيلات بيت الدين بعد نحو عشرة أعوام من صدور أسطوانة «كيفك إنت»، وكأنه كان فيولين ثم بات تشيللو «خصوصاً ما بعد الألفين» يضرب صوته المبحوح عميقاً في باطن الأرض فيذكرني بالماتريارك – الطبيعة.
أعاود التركيز شيئاً فشيئاً. أحاول الابتعاد عن ذلك الثقب الأسود الذي عاد ليذكرني بوجوده، واستعداده الدائم لالتهام كل مساعينا الروحانية. نعم! تذكرت الآن أنني أعدتُ قراءة الخبر مرّة تلو الأُخرى ولم أصدّقه. شعرتُ باختناق وغصّة في حلقي، هي ذاتها التي شعرتُ بها يوم تم تدمير حارة حريك.
طغى خبر رحيل زياد على قسوة أخبار كثيرة أُخرى، دائماً ما كنت أخشى حدوثها. الموت هو الموت. وموت زياد ليس هو المشكلة الحقيقية التي تركنا نواجهها. المعضلة التي وضعنا في مواجهتها هي الحياة، وواقعها. كان زياد، لا عبر المواعظ، بل عبر سلوكه، يحفزنا للتمسك بما هو مبدئي. يحثنا على الانحياز للجمال والبحث عنه. وهذا أمر منهك بالنسبة إلى الفنان، والمناضل والإنسان عموماً.
خصوصاً أنه لا يمكن وضع الجمال في قالب قيمي، ذلك أنه كامن أصلاً في الكون، كما كان يقول موزار: إن الألحان التي يضعها موجودة أصلاً في الأثير وما عليه سوى تدوينها.
المستمع العربي عموماً لا يركّز كثيراً في سياقات الألحان والتوزيع. وقد يجد أحياناً صعوبة في الاستماع إلى موسيقى من دون كلمات. ذكرتُ موزار عن قصد لأن زياد كان مثله وبحجمه، وموسيقاه لا تقل بمستواها الجمالي عن مستوى موسيقى موزار.
وقد تقصدّت مقارنته بموزارت الذي كانت الألحان تأتيه بسهولة، على خلاف بيتهوفن الذي كان عبقرياً وفذّاً وعلامة فارقة في تاريخ الموسيقى، ونقل قدرتها على التعبير نقلة نوعية، غير أنه كان يعاني حين يكتب الموسيقى ولم تكن الألحان تأتيه بسهولة، كما موزارت. ولم ينضج إلا في المرحلة الأخيرة من حياته، وليس في المرحلتين الأولى والثانية، كما موزارت. زياد الرحباني أيضاً، في المرحلتين الأولى والثانية من حياته، كان يتمتع بسهولة فائقة في وضع الألحان.
في أحد اللقاءات معه، سألته المذيعة عمّا يشعر به حينما يسمع تلك الألحان العظيمة، ألحانه: «هل تشعر بما نشعر به نحن؟»، أجابها بالنفي، لأن هذه الألحان «طلعت هيك وما بعرف كيف طلعت معي».
بالطبع نحن هنا نتحدث عن الألحان فقط، أما التوزيع الموسيقي لدى زياد، فهو شأن آخر. لا يحمل التوزيع الموسيقي لديه دوراً وظيفياً في بناء خلفية للحن الرئيسي للصوت، بقدر ما يستخدمه كوسيلة للمحاكاة ما بين اللحن والكلمات. في هذا الأمر تحديداً برع زياد لدرجة التفرد.
لهذا، فإن التوزيع الموسيقي لديه بات جزءاً لا يتجزأ من إبداعاته الفنية، خصوصاً أنه يشكّل بالنسبة إليه سؤالاً مقلقاً، ففي مقابلة أخرى، يجيب عن سؤال: «ما هو أفضل شيء في التوزيع» بالقول «إن أفضل ما في التوزيع هو إتمامه».
إذن، وعلى النقيض من عملية التلحين، السهلة وغير المقصودة لديه، أي تحدث بتلقائية «هيك طلع معي»، يتضح أن التوزيع الموسيقي عملية مشغول عليها، وتُبنى بحرفية وعلى نحو مقصود تماماً، ليستطرد على اللحن الرئيسي فيومئ توصيفياً لنا عن اللحن الرئيسي بألحان الآلات أو يواجهه أو يعقب على الكلمات. وهنا تتجلى الميزة البوليفونية لزياد كإنسان وكفنان إذ إنه يجمع الكثير من الأبعاد في آن.
وكأنه يدمج باخ بموزار في قالب أغنية مدنية تحاكي الواقع السوسيواقتصادي. ربما عبر قصة حب، ترتبط عضوياً بنسيج الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، وتجري في واقع مادي ملموس، ولكنها بشكلها الفني الموسيقى تعلو فوق كل السياقات التاريخية بما تنطوي عليه من صراعات. هذا ما يمنح زياد الرحباني فرادة واستثنائية.
لهذا يبدو عصياً على التكرار، خصوصاً أن ظروفاً عدة اجتمعت في تشكيله: فهو ابن عاصي والسيدة فيروز اللذين أتاحا له فرصة موسيقية متقدمة. ثم، وبغض النظر عن كونه ابنهما، فهو موسيقي عبقري بمستوى موزارت.
ثم عاش تجربة الحرب الأهلية اللبنانية بكل تداعياتها التي أسهمت في تحديد وعيه السياسي والاجتماعي والفكري. ثم وعيه الفلسفي المتأمل في الوجود، بعد كل تلك المعارك التي خاضها، حيث نسمعه يتحدث عن استمرارية وتجدد الحياة: «شوف القمح اللي بيطلع بسهول. شوف المَيّ اللّي بتنزَل عَ طُول».
قام علماء الحاسوب في الآونة الأخيرة بإجراء تجارب عدة بالذكاء الاصطناعي لكتابة السمفونية العاشرة لبتهوفن. وقدّم الذكاء الاصطناعي موسيقى بالقالب السمفوني نفسه تماماً، ولكنها كانت تخلو من أي موسيقى. كانت مجرد أصوات منسقة، إنما بلا روح، بلا شعلة إلهية.
لقد فهم الذكاء الاصطناعي أن بتهوفن يستخدم العدد الفلاني من الوتريات مع العدد الفلاني من النحاسيات، بيد أنه أخفق في الاقتراب ذرة واحدة من ماهية بتهوفن وإنسانيته وعمقه ومعاناته، وإصراره على المضي قدماً، وقدرته على إعادة التماسك.
أخفق في فهم عدول بيتهوفن عن الانتحار (بعدما قرر ذلك في وثيقة Heiligenstadt التي كتبها لأخويه) بسبب حزنه الشديد لبدء فقدانه السمع.
هذه الإنسانية ذاتها تتعرض اليوم للإنهاء في داخلنا جميعاً، عبر محاولة إقناعنا من قبل الشر بأننا مجرد ذكاء اصطناعي، وأن الفرق الوحيد بيننا وبين الذكاء الاصطناعي هو قدرتنا على التكاثر.
لكن الذكاء الاصطناعي لن يكون قادراً بأي شكل من الأشكال على الاقتراب من ماهية الإنسان الذي اكتملت إنسانيته. إننا نستمع إلى تلك الماهية في بروفة «كيفك إنت»، في حوار السيدة فيروز وزياد أثناء التسجيل، في تلك النضارة في ضحكة السيدة فيروز العفوية في نهاية البروفة. ونعلم حقاً بأن ذلك الألبوم، ألبوم «كيفك إنت»، هو من أحد أفضل الأعمال الموسيقية الغنائية في القرن العشرين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى