“قد اقترب ملكوت الله” … فماذا الآن؟

عمان-الأ ردن
٢٠٢٥/١/١٤
القس سامر عازر
“قد اقترب ملكوت الله” ليست عبارة عابرة في التاريخ، بل هي صرخة نبوية تهزّ الضمير الإنساني وتضع الإنسان أمام مسؤولية حاسمة. هذه الصرخة أطلقها يوحنا المعمدان في البرية، داعيًا إلى التوبة لنيل مغفرة الخطايا، ومعلنًا أن زمن الانتظار قد شارف على نهايته، وأن الله قد اقترب من الإنسان اقترابًا غير مسبوق. ورغم أنّ كثيرين استجابوا لدعوة المعمدان وقبلوا معمودية التوبة إلا أن من وصفهم يوحنا ب”أولادي الأفاعي” ليسوا حصرا على عصره بل في كل عصر يتغيرون ويتلونون وتباعا لمصالحهم وأهوائهم!
يوحنا المعمدان لم يكن نبيًا عاديًا، بل هو من امتلأ من الروح القدس وهو في بطن أمه أليصابات، وحمل دعوة استثنائية سبقت ظهوره بقرون. فقد تكلّم عنه إشعياء النبي قبل نحو سبعمائة سنة من الميلاد، واصفًا إياه بـ”الصوت الصارخ في البرية : أعدّوا طريق الرب، قوّموا سبله” . لم يكن الصوت هو الغاية، بل ما يحمله الصوت من حقّ يوقظ القلوب ويدعو إلى التهيؤ للقاء الله.
وما زال هذا الصوت، على الرغم من مرور الزمن، يصدح في عالمنا اليوم، داعيًا الإنسان إلى التوبة والدخول في ملكوت الله. فملكوت الله، كما أعلن المسيح نفسه، ليس واقعًا جغرافيًا ولا نظامًا سياسيًا، بل حقيقة روحية عميقة: “ها ملكوت الله هو في داخلكم” . إنه حضور الله الفاعل في قلب الإنسان، وسلطانه المُحيي في الضمير والسلوك والعلاقات.
لكن التوبة التي يدعو إليها الإنجيل المقدّس ليست مجرد ندم عاطفي أو طقس شكلي، بل تغيير جذري في الذهن والقلب والمسار. التوبة من ماذا؟ من أذية الآخرين، ومن التسبب بظلمهم أو تبرير هذا الظلم والاستمرار فيه والتستر على الحقيقة، ومن المشاركة الصامتة أو العلنية في أعمال الشر والفساد، من العيش خارج وصايا الله وشرائعه وكأن الإيمان مسألة شخصية لا أثر لها في الواقع العام. التوبة هي انتقال من منطق الذات والمصلحة والقوة إلى منطق الحق والمحبة والمسؤولية.
إذا كان ملكوت الله قد اقترب بظهور المسيح للعالم، فإن السؤال اليوم يصبح أكثر إلحاحًا: ماذا الآن وقد حلّ ملكوت الله بيننا؟ لم يكتفِ المسيح بالإعلان عن مجيء الملكوت، بل أسّسه في عالمنا، وجعله حقيقة حاضرة في وسطنا، من خلال كلمته، وصليبه، وقيامته، ومن خلال الكنيسة المدعوة أن تكون علامة هذا الملكوت وأداته في التاريخ.
فهل نعيش اليوم في هذا الملكوت، أم نكتفي بالوقوف قريبين منه؟ هل نرضى بأن نكون على تخومه، نراه من بعيد ونسمع عنه، دون أن نسمح له أن يحكم قلوبنا ويشكّل خياراتنا؟ دعوة المسيح واضحة: “اطلبوا أولًا ملكوت الله وبرّه” ، أي علينا أن نحيا داخل هذا الملكوت، لا كمفهوم لاهوتي مجرد، بل كخبرة يومية تُترجم في القداسة، والفرح الحقيقي، والمسامحة، والمصالحة، وصنع السلام، واحترام كرامة الإنسان.
إن ملكوت الله ليس وعدًا مؤجلًا فقط، بل عربون حياة جديدة تبدأ هنا والآن، وتكتمل في المجد الأبدي. هو مسيرة تبدأ بالتوبة والرجوع عن الخطأ وإصلاحه حيثما أمكن ذلك وتستمر بالجهاد الروحي، وتنفتح على رجاء لا يخيب.
فالسؤال “قد اقترب ملكوت الله… فماذا الآن؟” لا ينتظر جوابًا نظريًا، بل قرارًا وجوديًا: إما أن ندخل هذا الملكوت ونحيا حياة الملكوت، أو أن نبقى خارجه أسرى لعالم يعرف الكثير عن الله، لكنه يرفض أن يملك الله على قلبه وحياته.



