بين “فضح الفساد” و”اللعب بالشعب”… أين الحقيقة؟

افاق نيوز/محرر الشؤون المحلية
تصريحات خطيرة خرجت خلال الأيام الماضية من شخصيات كانت وما تزال جزءًا من المشهد السياسي والتشريعي في الأردن، تحدثت عن فساد بمئات الملايين، وعمولات بعشرات الملايين، لتتحول سريعًا إلى مادة مشتعلة على مواقع التواصل الاجتماعي، قبل أن تعود الرواية نفسها للتراجع أو إعادة التوضيح بأن المقصود “مجالس سابقة” أو وقائع تعود إلى ما قبل عام 2003.
وهنا، لا يعود السؤال فقط: هل يوجد فساد أم لا؟
بل يصبح السؤال الأخطر: لماذا يُطرح هذا الكلام بهذه الطريقة؟ ولماذا الآن؟ وهل نحن أمام كشف حقيقي لملفات خطيرة، أم أمام حالة من إثارة الرأي العام ثم إعادة ضبط السقف بعد اشتعال الشارع؟
تصريحات النائب الدكتور مصطفى العماوي حول وجود شبهات فساد كبيرة أثارت الرأي العام، قبل أن يعود الحديث باتجاه أن المقصود فترات ومجالس سابقة، كما أن حديث النائب السابق فواز الزعبي عن عمولات في لجان الطاقة ببرلمانات سابقة، قيل إنها وصلت إلى 50 مليون دينار، أعاد فتح باب الشك والأسئلة حول مرحلة حساسة من تاريخ الحياة البرلمانية والسياسية في الأردن.
لكن ما يجب التوقف عنده فعلًا، هو أن من تحدثوا ليسوا ناشطين عابرين على “تيك توك”، ولا أشخاصًا خارج دائرة القرار أو الرقابة. نحن نتحدث عن نواب ومسؤولين سابقين وحاليين، أي أشخاص امتلكوا أدوات دستورية ورقابية وتشريعية، وكان بإمكانهم – إن كانت لديهم وثائق أو معلومات – أن يسلكوا الطرق الرسمية الكاملة: هيئة النزاهة، الادعاء العام، لجان التحقيق، الاستجوابات البرلمانية، أو حتى مخاطبة الدولة بشكل مباشر.
أما أن يبدأ الملف من “الترند”، ومن المقابلات والمنصات الشعبية، ثم يتحول إلى حالة غضب عامة، وبعدها تبدأ التوضيحات بأن الحديث يخص “مجالس قديمة”، فهنا تصبح المسألة أخطر من مجرد “تصريحات سياسية”.
الخطير في الأمر أن هذا النوع من الطرح يخلق حالة هائلة من فقدان الثقة بالمؤسسات، خصوصًا في ظل الظروف الاقتصادية والسياسية الصعبة التي يعيشها المواطن الأردني. فعندما يسمع المواطن أرقامًا بمئات الملايين وعشرات الملايين، ثم لا يرى أسماء واضحة، ولا ملفات، ولا محاكمات، تتحول القضية في ذهنه إلى شعور عام بأن الدولة بأكملها كانت تُدار في الظلام.
وهنا لا بد من التفريق بين أمرين:
إذا كان هناك فساد حقيقي موثق، فإن من واجب أي مسؤول أو نائب أن يكشفه مهما كان الثمن، بل إن السكوت عنه يصبح شراكة أخلاقية وسياسية في الجريمة.
أما إذا كانت التصريحات غير مكتملة، أو أُطلقت بطريقة انفعالية وشعبوية، فهنا نحن أمام مشكلة لا تقل خطورة، لأن اللعب بثقة الناس وتحويل ملفات بحجم الوطن إلى مادة للسوشال ميديا، يضرب ما تبقى من ثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
الأردنيون اليوم لم يعودوا يبحثون عن “الإثارة”، بل عن الحقيقة.
لم يعد المواطن يريد سماع جملة: “لدينا ملفات خطيرة”، ثم بعد أيام تتحول الرواية إلى “كنا نقصد مجالس سابقة”. فهذه الطريقة لا تبني إصلاحًا، بل تبني الشك والريبة والإحباط.
ومن حق الناس أيضًا أن تسأل:
إذا كانت هذه المعلومات موجودة منذ سنوات، فلماذا خرجت الآن؟
ولماذا خرجت عبر الإعلام والسوشال ميديا أولًا؟
وهل سبقها فعلًا مسار رسمي لم يجد طريقه للحل؟
أم أننا أمام رسائل سياسية، أو تصفية حسابات، أو محاولات لإثارة الشارع في توقيت حساس؟
كما أن الشارع من حقه أن يتساءل أيضًا: هل تعرض أصحاب هذه التصريحات لضغوط أو توجيهات دفعتهم لتغيير مسار الحديث لاحقًا؟ لا أحد يستطيع الجزم بذلك دون أدلة، لكن مجرد وصول الناس إلى هذا النوع من التساؤلات يكشف حجم أزمة الثقة التي نعيشها.
الأخطر من الفساد نفسه أحيانًا، هو استخدام ملف الفساد بطريقة غير مسؤولة. لأن تحويله إلى مادة شعبية بلا نتائج حقيقية، يجعل الناس مع الوقت تفقد إيمانها بأي حديث عن الإصلاح أو المحاسبة.
فالفساد لا يُحارب بمنشور، ولا بمقابلة غاضبة، ولا بتلميحات مبهمة.
الفساد يُحارب حين تتحول المعلومة إلى ملف، والملف إلى تحقيق، والتحقيق إلى محاسبة واضحة أمام الناس.
أما أن تُلقى قنابل إعلامية وسياسية بهذا الحجم، ثم تُسحب تدريجيًا نحو “مجالس سابقة” و”فترات قديمة”، فهذا يضع الجميع أمام مسؤولية وطنية وأخلاقية كبيرة.
فالأردنيون لا يريدون نصف حقيقة… ولا نصف شجاعة.
إما أن هناك فسادًا حقيقيًا فلتُفتح الملفات حتى النهاية مهما كانت الأسماء والمواقع.
وإما أن ما جرى كان مجرد استعراض سياسي وإعلامي، وعندها تكون الإساءة لوعي الناس وثقتهم لا تقل خطورة عن أي فساد مالي.
وفي الحالتين… يبقى السؤال معلقًا:
هل ما جرى كان فعلًا محاولة لفضح الفساد؟
أم أننا أمام حالة جديدة من “اللعب بالشعب”؟



