امام دولة رئيس الوزراء … صناعة المعارض والمؤتمرات في الأردن… قطاع غائب عن القرار حاضر بالإنجاز

آفاق نيوز – محرر الشؤون الاقتصادية
في الوقت الذي أصبحت فيه سياحة المعارض والمؤتمرات واحدة من أهم روافد الاقتصاد في كثير من الدول العربية، ما زال الأردن متأخراً عن اللحاق بهذا الركب، رغم ما يملكه من مقومات طبيعية وسياحية وبشرية تؤهله لأن يكون مركزاً إقليمياً لهذه الصناعة.
فاذا ما تحدثنا عن غياب الأرضية المؤسسية في الأردن نجد انه لا يمتلك حتى اليوم “أرض معارض” وطنية بمفهومها الشامل، ولا توجد هيئة مستقلة تُعنى بإدارة هذا القطاع وتطويره كما هو الحال في العديد من الدول المجاورة، ما لدينا هو قاعات فندقية أو مراكز مؤتمرات كبرى مثل مركز الملك الحسين بن طلال في البحر الميت، لكنها تبقى حلولاً جزئية لا تعوض عن غياب مدينة معارض متكاملة بخدماتها اللوجستية والبنية التحتية المطلوبة.
اما عن دور القطاع الخاص فنجد انه هو الذي يتحمل العبء الأكبر، حيث تنشط شركات متخصصة في تنظيم المؤتمرات والمعارض، وتبذل جهوداً مضاعفة لجذب المشاركين والمتحدثين والشركاء، لكن هذه الجهود لا تجد دعماً حقيقياً من المؤسسات الرسمية،وحتى حين يسعى المنظمون إلى الحصول على رعاية رسمية، غالباً ما يصطدمون بالروتين والمماطلة، وفي النهاية لا يحصلون على أي غطاء معنوي أو دعم لوجستي يوازي حجم الحدث.
اما من حيث خلل في التنظيم فنجد من إحدى المشكلات الكبرى أن كثيراً من الجهات غير المتخصصة باتت تدخل على خط تنظيم المؤتمرات والمعارض، وهو أمر ينعكس سلباً على جودة الفعاليات وعلى سمعة الأردن كمضيف .
في الدول الأخرى يُسمح لأي جهة أن تنظم مؤتمراً أو معرضاً، لكن من خلال شركات مختصة تضمن معايير الجودة، بينما في الأردن يغيب هذا الشرط، ما يخلق فوضى وتشويهاً للسوق.
اما من حيث المسؤولية الغائبة، فنجد ان الحكومة، ممثلة بوزاراتها وهيئاتها المعنية، تتحمل المسؤولية المباشرة عن هذا الغياب ، فهي لم تعتبر قطاع المعارض والمؤتمرات صناعة قائمة بذاتها، ولم تُنشئ إطاراً مؤسسياً لحمايته وتنميته بمعنى الكلمة ، ولم توفّر الحوافز والتسهيلات التي تقدمها الدول الأخرى لجذب الفعاليات الكبرى و بالنتيجة نرى بان الأردن يتراجع في التصنيفات الدولية لعدد الاجتماعات والمؤتمرات المستضافة، في الوقت الذي يحقق فيه الآخرون قفزات واضحة.
(في تصنيف ICCA العالمي لاجتماعات الجمعيات لعام 2023، حلّ الأردن في المرتبة 80 بعدد 13 اجتماعًا فقط موثقًا، بينما تتقدم دولٌ عربية عديدة بمراحل، ما يعكس فجوةً في الجذب والتنافسية.)
فاذا ما تحدثنا عن الخسارة الاقتصادية نجد ان الخسارة هنا ليست فقط سمعة أو ترتيباً في مؤشرات عالمية، بل هي فقدان لعوائد مالية ضخمة يمكن أن تدخل البلد سنوياً.
فسياحةالمعارض و المؤتمرات تتميز بأن إنفاق المشاركين فيها أعلى من السياحة التقليدية، وتشمل قطاعات متعددة من الفنادق والنقل إلى الطباعة والتقنيات والخدمات اللوجستية، ان تجاهل هذا القطاع يعني التخلي عن مورد اقتصادي مستدام يمكن أن يخلق آلاف فرص العمل.
ما عليتا فعله الان ان الخطوة الأولى تبدأ بالاعتراف الرسمي أن صناعة المعارض والمؤتمرات سياحة اقتصادية بامتياز وليست نشاطاً بروتوكولياً،ثم يأتي تأسيس هيئة مستقلة للمعارض والمؤتمرات تضع استراتيجية وطنية واضحة، تتضمن إنشاء أرض معارض وطنية، وتنظيم المهنة بحيث لا يمارسها إلا المتخصصون، وتقديم حوافز وتشريعات تُمكّن الأردن من استقطاب فعاليات دولية كبرى.
ان القطاع الخاص الأردني أثبت قدرته على الإنجاز رغم كل العقبات، لكن بقاء الحكومة في موقع المتفرج أو المعرقل أحياناً يجعل الأردن متأخراً عن موقعه الطبيعي. ، فالمسؤولية اليوم على من بيده القرار: إما أن يعتبر هذا القطاع صناعة استراتيجية ويدعمه، أو أن يبقى الأردن في مؤخرة الدول العربية في واحدة من أهم صناعات السياحة الحديثة.



