
القرعان يكتب: نحو إعلام وطني قوي رصين
ماجد القرعان
شهد الإعلام في الأردن تحولاً جذرياً يتماشى مع الطفرة الرقمية العالمية التي حوّلت العالم إلى «قرية صغيرة»، أو بالأحرى «غرفة زجاجية مكشوفة»، حيث لم يعد تصنيع المعلومة ونشرها حكراً على المؤسسات الرسمية أو الصحف العريقة، بل أصبح بمقدور أي فرد يمتلك هاتفاً ذكياً أن يوجّه الرأي العام، ما أدى إلى حالة من الضبابية الرقمية ينطبق عليها المثل الدارج: «اختلط الحابل بالنابل». وبالتالي، فإن تصويب المشهد الإعلامي لا يُعد ترفاً، بل هو ركيزة أساسية من ركائز الأمن الوطني في عصر الفضاء المفتوح.
عانينا في مختلف القطاعات، وما زلنا نعاني، من غياب الاستراتيجيات القصيرة والمتوسطة وطويلة المدى، التي يضعها خبراء ومختصون، والتي كانت سمة العديد من الحكومات المتعاقبة. فافتقارنا إلى الاستراتيجيات يُعد العامل الرئيسي وراء ما تعانيه مختلف القطاعات جراء قرارات الفزعة والاجتهاد التي يتخذها المسؤول الأول في هرم المؤسسة.
لقد تنبّه جلالة الملك إلى أهمية وضع سياسة إعلامية وطنية تخدم قضايا الوطن، وتعبّر عن ضمير المواطن الأردني بموضوعية وتوازن، ليكون «إعلام دولة لا إعلام حكومات».
ولتحقيق رؤية جلالته، تم في عام 2001، وبإرادة ملكية سامية، تأسيس مجلس أعلى للإعلام ليحل محل وزارة الإعلام، غير أنه تم إلغاء المجلس عام 2008 بقرار من مجلس النواب، الذي أقر آنذاك مشروع قانون لإلغائه ضمن استراتيجية تطوير قطاع الإعلام وتقليص عدد المرجعيات.
والمقاربة أنه، وبعد صدور الإرادة الملكية بتأسيس المجلس، أوضح جلالة الملك، في سياق لقاء له مع وكالة الصحافة الفرنسية، أن استبدال وزارة الإعلام بالمجلس الأعلى للإعلام يهدف إلى ضمان الحريات السياسية في البلاد.
وأضاف جلالته في تلك المقابلة: «نحن نسعى لتبني مقاربة حديثة ومنهجية من أجل التطوير»، ولذلك ألغينا وزارة الإعلام، فالإعلام يشكل أداة مهمة من أجل التغيير، وهو بحاجة إلى أن يكون حراً ومسؤولاً في الوقت نفسه حتى ينهض بدوره، مؤكداً أن المجلس الأعلى للإعلام سيضم صحفيين محترفين ومتخصصين في الإعلام، إلى جانب عدد من قادة الرأي الذين لديهم تأثير معنوي.
يواجه الفضاء الإعلامي الأردني اليوم تحدياً استثنائياً يتجاوز مجرد مواكبة التطور الرقمي؛ إذ تحول الفضاء المفتوح إلى ساحة تختلط فيها الحقائق بالشائعات، مما أدى إلى تراجع ملموس في منسوب الثقة بين المتلقي والمؤسسات الإعلامية المحلية.
والمؤسف أن قطاعاً واسعاً من الشارع ينظر إلى الإعلام الرسمي باعتباره أداة تبريرية للقرارات الحكومية فقط، مما أفقده مرونة النقد البناء والهامش التنافسي، ودفع المواطن إلى البحث عن الرواية البديلة في منصات خارجية أو حسابات غير موثوقة.
إن الإعلام المتزن والمهني يمثل الذراع الأساسية لحماية السلم المجتمعي وإسناد التحديث السياسي والاقتصادي للدولة، لذلك فإن تشخيص الواقع وتصويب الاختلالات بين القطاعين الرسمي والخاص غدا ضرورة وطنية ملحة لا تحتمل التأجيل. والبداية يجب أن تكون من نواب الأمة، الذين أقترح عليهم تشكيل خلية من الخبراء والمختصين لتشخيص الواقع وتقديم مقترحات عصرية تشمل القوانين الناظمة للإعلام.
إن وجود مجلس وطني أعلى للإعلام يجمع الخبرات الرسمية والخاصة، بالتوازي مع تفعيل أدوات الشفافية والسرعة في ضخ المعلومات، يمثل طوق النجاة الحقيقي لفرز الحابل عن النابل، وتمكين الإعلام الرسمي والخاص من بناء رواية وطنية أردنية قوية ورصينة، تتمتع بالمصداقية والقدرة على التأثير داخلياً وخارجياً.
