
التعيينات الحكومية بين نظام المخزون والإعلان المفتوح
هل يُنصف الناجحون في الامتحانات والمقابلات؟
بقلم أ.د. عاطف البواب
شهد ملف التعيينات في القطاع العام الأردني خلال السنوات الأخيرة تحولات جوهرية، كان أبرزها إنهاء العمل بديوان الخدمة المدنية بصورته التقليدية والانتقال إلى نظام جديد يقوم على الإعلان المفتوح والتنافس المباشر على الوظائف الحكومية. ورغم أن هذا التحول جاء ضمن مشروع تحديث القطاع العام، إلا أنه أثار تساؤلات واسعة لدى آلاف المتقدمين الذين اجتازوا الامتحانات والمقابلات الشخصية بنجاح وما زالوا ينتظرون فرص التعيين.
تأسس ديوان الخدمة المدنية عام 1955، وظل لعقود الجهة المسؤولة عن استقبال طلبات التوظيف الحكومية وترتيبها وفق أسس ومعايير محددة. وقد شكّل الديوان بالنسبة للعديد من الأردنيين بوابة الأمل للحصول على وظيفة في القطاع العام، خصوصاً في ظل محدودية فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة.
وفي إطار مخرجات خارطة تحديث القطاع العام، وافق مجلس الوزراء بتاريخ 27 آب 2023 على إنشاء هيئة الخدمة والإدارة العامة لتحل محل ديوان الخدمة المدنية، على أن ينتهي عمل الديوان رسمياً بتاريخ 31 كانون الأول 2023، فيما توقفت طلبات التعيين الجديدة الواردة للديوان اعتباراً من 30 تشرين الثاني 2023.
وقبل إنهاء العمل بالديوان، خضع آلاف المتقدمين لامتحانات تنافسية ومقابلات شخصية لشغل وظائف حكومية مختلفة، وخاصة في وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة. وقد نجح عدد كبير منهم في هذه المراحل، وتم إدراجهم ضمن ما يعرف بـ”المخزون” أو قوائم الناجحين المؤهلين للتعيين عند توفر الشواغر.
إلا أن العديد من هؤلاء الناجحين فوجئوا بعدم صدور قرارات تعيينهم رغم وجود شواغر معلنة في بعض المؤسسات الحكومية، الأمر الذي خلق حالة من الإحباط والشعور بعدم وضوح مستقبلهم الوظيفي. فهؤلاء لم يكتفوا بتقديم الطلبات، بل اجتازوا مراحل التنافس المختلفة وأثبتوا كفاءتهم وفق المعايير الرسمية المعتمدة.
في المقابل، تتجه الحكومة بشكل متزايد نحو نظام “الإعلان المفتوح”، وهو نظام يعتمد على الإعلان عن كل وظيفة شاغرة بشكل منفصل، بحيث يتقدم إليها المرشحون مباشرة ويتم اختيار الأنسب وفق شروط الوظيفة ومتطلباتها. وتعتبر الحكومة أن هذا النظام يحقق مرونة أكبر في التوظيف ويربط التعيين بالاحتياجات الفعلية للمؤسسات الحكومية.
وتشير التوجهات الحكومية الحالية إلى أن التعيين خلال المرحلة الانتقالية يتم بنسبة تقارب 80% عبر نظام الإعلان المفتوح مقابل 20% من مخزون الناجحين السابقين حسب ما أفاد مسؤول التوظيف في وزارة التربية والتعليم، مع وجود توجه مستقبلي للوصول إلى نسبة 100% من التعيينات عبر الإعلان المفتوح مطلع العام 2027.
ورغم المبررات التي تسوقها الحكومة لدعم هذا التوجه، إلا أن العدالة الوظيفية تقتضي عدم إغفال حقوق الفئات التي اجتازت الامتحانات والمقابلات الرسمية بنجاح. فهؤلاء دخلوا المنافسة وفق قواعد وضعتها الدولة نفسها، واستثمروا الوقت والجهد والمال في الاستعداد للاختبارات، وكان لديهم توقع مشروع بأن النجاح في تلك المراحل سيمنحهم أولوية حقيقية في التعيين عند توفر الشواغر.
كما أن تعيين الناجحين الموجودين على المخزون لا يتعارض مع مشروع الإصلاح الإداري، بل يمكن أن يشكل مرحلة انتقالية عادلة تحفظ حقوق المتنافسين وتضمن الثقة بالإجراءات الحكومية. فنجاح أي نظام جديد يعتمد على احترام الالتزامات السابقة وعدم الإضرار بالمواطنين الذين خضعوا للأنظمة السابقة بحسن نية.
ومن هنا تبرز أهمية إيجاد توازن بين متطلبات التحديث الإداري وحقوق المتقدمين الذين اجتازوا مراحل التنافس الرسمية. فالتطوير لا ينبغي أن يكون على حساب من استوفوا شروط التعيين ونجحوا في الامتحانات والمقابلات وفق الأصول.
التوصية
إن تحقيق العدالة الوظيفية وتعزيز الثقة بالإدارة العامة يتطلب إعطاء الأولوية لتعيين جميع الناجحين الموجودين على قوائم المخزون ممن اجتازوا الامتحانات والمقابلات الشخصية بنجاح، وخاصة في القطاعات التي تعاني من نقص في الكوادر مثل وزارة التربية والتعليم ووزارة الصحة. وبعد استنفاذ هذه القوائم وإنصاف أصحابها، يمكن الانتقال بشكل كامل إلى نظام الإعلان المفتوح باعتباره النظام المستقبلي للتوظيف الحكومي، وبما يضمن عدم ضياع حقوق أي مواطن التزم بالقواعد والإجراءات الرسمية المعمول بها سابقاً.
