التربية على العُنف: حركة الحياة الزوجيّة

أ.د. وائل عبد الرحمن التل
كُتَلٌ من الضّغوط تتكالَبُ على عقليّتنا ونفسيّتنا ونحنُ نرصُدُ حالاتٍ مُعقّدةٍ للعُنف، ونرصُدُ آثارَها وانعكاساتها الخطيرة، وسواء أكانت هذه الحالات شاذّة أم نمطاً ثقافياً فإننا نُدرك أنها وليدة عوامل عديدة مؤثّرة، ومتداخلة، أهمّها «حركة الحياة الزوجيّة»، والتي يظهرُ تأثيرُها في إعادتها تشكيل شخصيّة الزّوجين، وفي تشكيل شخصيّة الأبناء بشكلٍ أكثر وحجمٍ أكبر من تأثير التّكوين المعرفي التي تتناول أسس بناء الأسرة، وأركان تكوينها، وطرق تشخيص مشكلاتها، وتحديد أساليب معالجتها، وقواعد تحصين بُنيانها ووقايته من التفكّكِ وتهديدِ السِّلْم المُجتمعي.
ويتّضحُ أثر «حركة الحياة الزوجيّة» في التربية على العُنف عند تناولنا بالتّحليل المُبسّط، كمثال، لصورتين مُتقابِلَتَين للزّوجة الأم، الأولى: صورة (الزّوجة الأمّ/ القويّة) التي تكون نتاج معاملة زوجيّة مثالية تقوم على التهذيب والتكريم، وتقدير مكانتها ودورها الحقيقي، ومنحها حقوقها، والقيام بالواجبات نحوها، فتكون زوجةً وأمّاً مؤثّرةً في إدارة بيتها، وفاعلة في تحمّل مسؤولية تربية أبنائها والعناية بزوجها، والنهوض بأعباء مهامها الوظيفيّة، إن كانت عاملة، وتفاعلها بإيجابية مع المناسبات العائليّة والفعل المُجتمعي ما أمكن؛ فيتربّى أبناؤها بهذا في مُحيطٍ صحّي يحظون معه بتربيةٍ نفسيّةٍ مُتوازنةٍ ومُستقرة تُمتّن بناء وتشكيل شخصياتهم، وتدفَعُهم نحو الحفاظ على بُنيان مجتمعهم والالتزام بالأنظمة والقوانين السّائدة فيه، ونحو وقايته من النّخر في أُسُسه من مبادئٍ وقِيَمٍ وأعرافٍ وعاداتٍ وتقاليد، ومن النّقر في جُدرانه من أمنٍ وممتلكاتٍ ومؤسّسات، وغيرها.
أما الصّورة الثانية فهي: صورة (الزّوجة الأمّ/ الضّعيفة) التي تكون نتاج معاملة زوجيّة عنيفة، عُنفاً جسدياً ونفسياً واقتصادياً واجتماعياً وصحيّاً، إما نتيجةً لطفولةٍ عنيفةٍ عاشَها الزّوجُ فتراكمت خلالها لديه تجارب ومُمارسات وصراعات حادّة، وإما نتيجةً لضغوطٍ اقتصادية واجتماعية يُعاني منها، وإما نتيجةً لعواملٍ سلوكيّة انحرافيّة كتعاطيه المُخدّرات والمُسكرات وغيرهما، وإما لضَعف الوازع الديني والخُلُقي لديه، لذلك فليس بعيداً عنه استخدام نوعٍ أو أكثر من أنواع العُنف في تعامله مع زوجته، وأهمّها ثلاثة: التّهميش، والتّهديد، والقوّة.
أمّا (عُنف التّهميش) فيكون بدافعِ الأنانية الذي يَحِدُّ به من طموحات زوجته حتى تشعر معه بعدم أهميّة الحياة، وبعدم أهميّتها في الحياة، فتفقدُ الثقةَ بالنفس، وتشعرُ باحتقارِ الذّات، ويَطغى عليها الاكتئاب. وأمّا (عُنف التّهديد) فيكون بدافع فرض الذّات والاستقواء على زوجته، فيَحرِمُها به من الحريّة بفرضِ حالةٍ من العُزلة عليها لتتّجه بها نحو القَلق واضمحلال القُدرات النفسيّة والخَوف وضَعف تقدير الذّات والارتباك والتَردّد. وأمّا (عُنف القوّة) فيكون بدافع القَسوة على زوجته، وبكل ما يُنافي طبيعتها، فيُلحق بها الأذى مثل التشويه كالكَدمات والرّضوض والجُروح والكُسور، ومثل ما هو أكثر خطورة «فرط القوّة» كقتلها، أو انتقامه منها بقتل أبنائِهما، أو إحداثه عاهاتٍ مُزمنةٍ وتشوّهاتٍ جسديّة ظاهرة وجسيمة كتقطيع الوَجه والحروق.
بهذه الأنواع الثلاثة للعُنف، أو أيٍّ منها، تتشكّل حول (الزّوجة الأمّ/ الضّعيفة) بيئةٌ غير صحيّة تهتزُ بها مكانتها، وتتعطّلُ معها قدراتها، وتَضعُف فيها كفاءتها وفاعليتها، كما يتربّى أبناؤها في محيطٍ قَلِقٍ لا يَحظَون معه بتربيةٍ نفسيةٍ متوازنةٍ ومستقرة قد يؤدّي بهم إلى التَّسرب الدّراسي، والفَشلِ الوظيفي، والانسِحابِ الاجتماعي، وممارسةِ أنماطٍ حادّةٍ في العُنف الأسري والمجتمعي ونحو الذّات، بخاصّة في مرحلة المراهقة، مثل إيذاء النّفس والاعتداء على الآخرين وإيذائهم وإزهاق الرّوح بالانتحار.
إنّ «حركة الحياة الزوجيّة» في التربية على العُنف لا يقتصِرُ اتجاه العُنف فيها نحو الزّوجة وإنما هناك حركةٌ يكون اتجاه العُنف فيها نحو الزّوج، وبأنواع عُنف مُتعددة في تعاملها مع زوجها، ولِيَ فيه مقالٌ، لأنّ الطفل وحتّى يكبُر يبقى يتماشى مع سلوك والدَيه بشكل لا إرادي، فيتقمّصُ الابنُ دورَ الأب في مُعاملته وعُنفها، وتبقى البنت تتوجّس خِيفة من كل رجل وتحتقره فتمارسُ لهذا التوجّس والخيفة العنفَ والعُنفَ المُضاد، كما سيبحثُ هؤلاء الأبناء «ذكوراً وإناثاً» لتَغذية عُنفهم عن مُغذّياتٍ متنوّعةٍ جديدةٍ فِكريّة وجسديّة وانحرافيّة سلوكيّة عبر الرّفقة السيّئة والمواقع والمنصّات الإلكترونيّة ذات الصّلة، والتي ستظهرُ آثارُها مُؤكّداً في حركة الحياة الزوجيّة بسلوك كلا الزّوجين.
أخيراً: بدراسة التربية على العُنف في مثالٍ بحركة الحياة الزوجيّة يتأكّدُ أننا كُلُّنا مسؤولٌ عن هذه التربية، كما يتأكّدُ لنا الضَّرورة المُلحّة لتكريس جهودٍ إضافيةٍ مُنظّمةٍ في معالجة العُنف وآثاره وانعكاساته الخطيرة، وللحديث بقيّة في التربية العلاجيّة للعُنف «إدارة مراكز الإصلاح والتأهيل أنموذجاً»، والسّلام.



