منبر الكلمة

مضيق هرمز في عمّان؟! حين تصبح موائد الأردنيين رهينة التبريرات

 

عدنان نصّار

في كل مرة ترتفع فيها الأسعار في الأردن، يظهر سببٌ جديد، أو بالأحرى “رواية” جديدة، تُلقى على مسامع الناس وكأنها حقيقة مطلقة لا تقبل النقاش. مرةً بسبب الحروب، ومرةً بسبب ارتفاع كلف الشحن، وأخرى بفعل اضطرابات الأسواق العالمية. أمّا اليوم، فقد وصل الأمر إلى حدّ إلقاء اللوم على مضيق هرمز لتبرير ارتفاع أسعار اللحوم في بعض المحلات التجارية!
لكن السؤال الذي يطرحه المواطن البسيط، وهو يقف أمام واجهة محل اللحوم متردداً بين حاجته وقدرته الشرائية: كيف وصل مضيق هرمز إلى مائدة الأردنيين بهذه السرعة؟ ولماذا يصل أثر الأزمات العالمية إلى جيوبنا فوراً، بينما لا يصل انخفاض الأسعار العالمية أبداً؟
المفارقة المؤلمة أن كثيراً من الأردنيين لم يعودوا يناقشون الأسعار بقدر ما يناقشون قدرتهم على “التكيّف مع الصدمة”. فربّ الأسرة الذي كان يشتري حاجته من اللحوم بالكيلو، بات يفكر بالنصف كيلو، ثم بالقليل منه “لرفع النكهة” ليس أكثر. وهكذا، تتحول مواد كانت أساسية على المائدة إلى رفاهية مؤقتة في بيوت كثيرة، في وقتٍ تتزايد فيه الضغوط الاقتصادية وتتآكل القدرة الشرائية بصمت موجع.
اللافت أن بعض المحلات سارعت إلى رفع الأسعار بشكل مفاجئ، مبررة ذلك بتوقعات مرتبطة بتكاليف النقل والشحن، واحتمالات تأثر التجارة الإقليمية بسبب التوترات في المنطقة ومضيق هرمز. لكن السؤال الاقتصادي والمنطقي هنا: هل البضائع الموجودة اليوم في البرادات والمستودعات دخلت البلاد عبر أزمة لم تقع بعد؟ أم أن هناك من يستبق الأحداث لرفع الأسعار وتحقيق هامش ربح أكبر على حساب الناس؟
وهنا تبدو المفارقة أكثر إثارة للأسئلة؛ فالأردن، في جانبٍ كبير من حركة استيراده التجارية، يعتمد على باب المندب وخطوط الملاحة المرتبطة بالبحر الأحمر وميناء العقبة، أكثر من ارتباطه المباشر بمضيق هرمز في ملف استيراد كثير من السلع الغذائية الأساسية. الأمر الذي يجعل من الضروري توضيح الأساس الحقيقي لربط ارتفاع أسعار اللحوم محلياً بمضيق هرمز تحديداً. فهل نحن أمام انعكاس فعلي لكلف النقل والاستيراد؟ أم أمام موجة استباقية من رفع الأسعار تُبنى على المخاوف والتوقعات أكثر مما تُبنى على الوقائع؟
لا أحد ينكر أن الأزمات الجيوسياسية تؤثر على الاقتصاد العالمي، وأن الممرات البحرية الحيوية تبقى شرياناً أساسياً للتجارة الدولية. لكن تحويل كل أزمة دولية إلى ذريعة محلية مفتوحة لرفع الأسعار، دون رقابة أو مساءلة أو تفسير مقنع، يخلق حالة من فقدان الثقة بين المواطن والسوق، ويزيد الشعور بأن المستهلك الأردني يبقى الحلقة الأضعف دائماً.
المواطن الأردني لا يطلب المستحيل، ولا يعترض على المنطق الاقتصادي الحقيقي، لكنه يريد تفسيراً عادلاً، ورقابةً أكثر صرامة، وموقفاً واضحاً من الجهات المعنية. فمن غير المقبول أن يتحول الخوف من أزمة محتملة إلى فرصة تجارية عند البعض، بينما تبقى موائد الناس هي أول ما يدفع الثمن.
وهنا، يبرز دور المؤسسات الرقابية ووزارة الصناعة والتجارة، ليس فقط في مراقبة الأسعار، بل في تفكيك الروايات التجارية غير المقنعة، والتأكد من وجود مبررات فعلية لأي ارتفاع يطال السلع الأساسية، خصوصاً تلك التي تمس غذاء الناس مباشرة، ومنع استغلال الأحداث الإقليمية كذريعة لزيادة الأعباء على المواطن.
السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم ليس فقط: لماذا ارتفعت أسعار اللحوم؟ بل أيضاً: من يحمي المواطن من “اقتصاد التبريرات”؟
فحين ترتفع الأسعار بسرعة البرق عند أول خبرٍ عن توترٍ إقليمي، بينما تتباطأ أو تتجمّد عند أي انفراج اقتصادي عالمي، يصبح السؤال مشروعاً: هل تُدار الأسواق بمنطق الكلفة الحقيقية، أم بمنطق اختبار قدرة المواطن على الاحتمال؟
في بلدٍ يرزح كثير من أهله تحت ضغوط المعيشة، ويحسب المواطن كلفة يومه قبل آخر الشهر، لا يبدو منطقياً أن يصبح “مضيق هرمز” شماعةً جديدة تُعلَّق عليها أعباء الناس، بينما تبقى الحقيقة غائبة، والموائد تزداد فراغاً بصمت.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى