منبر الكلمة

«ارحمونا»… صرخة مواطن تحت الفقر، وتاجر يختنق، ومزارع يُترك لمصيره

بقلم: إياد عبد الفتاح النجار
كاتب وباحث في الشأن العام

لم تعد كلمة «ارحمونا» مجرّد تعبير عاطفي، بل تحوّلت إلى صرخة جماعية يطلقها المواطن الأردني في وجه واقعٍ اقتصاديٍّ ضاغط، تتسع فيه دائرة المعاناة، وتتراجع فيه القدرة على الاحتمال، في ظل سياسات لم تعد تلامس تفاصيل الحياة اليومية.
المواطن اليوم يعلن فقره بلا مواربة. فواتير الحياة الأساسية—الكهرباء، المياه، الإنترنت، التدفئة، البنزين—أصبحت عبئًا شهريًا خانقًا، يصعب تأمينه، ويضع الأسرة أمام خيارات قاسية تمسّ كرامة العيش واستقراره.
وامتلاك السيارة، الذي بات ضرورة في كثير من المناطق، لم يعد ممكنًا إلا عبر قروض سيارات تُضاف إلى سلسلة طويلة من الالتزامات المالية، فتتحول الرواتب إلى أقساط، ويُسلب المواطن أي هامش للأمان أو الادخار.
التاجر الصغير، الذي فتح متجره ليعيش بكرامة ويُعيل أسرته، أصبح اليوم مهددًا بالإقصاء. ركود اقتصادي، ارتفاع في الكلف، ضرائب ورسوم لا تراعي حجم النشاط، ومنافسة غير عادلة، جعلت كثيرًا من المحال تفتح أبوابها فقط لتأمين الحد الأدنى من المعيشة، في مؤشر خطير على تآكل الطبقة الوسطى.
أما المقترض، فقد أصبح أسير القروض بكل أشكالها؛ إسكان، تعليم، علاج، استهلاك، وسيارات. قروض فُرضت بفعل الحاجة لا الرفاه، وأقساط تبتلع معظم الدخل، وتُبقي المواطن في دائرة قلق دائم.
ويقف المزارع في قلب الأزمة، لا على هامشها. مزارع يُطلب منه الإنتاج والصمود، بينما يُترك وحيدًا في مواجهة ارتفاع كلف المدخلات، وتذبذب الأسعار، وغياب الحماية. مشكلته لا تتوقف عند الإنتاج فقط، بل تمتد إلى ضعف تسويق المنتجات، وغياب التجويد والتغليف، وشُحّ المياه اللازمة للري، وكأن الأمن الغذائي مسألة ثانوية.
إن النظر إلى المزارعين يجب أن يكون بوصفهم ركيزة وطنية أساسية، لا ملفًا موسميًا. فدعمهم في تسويق منتجاتهم، وتحسين جودتها، وتأمين المياه لهم، هو استثمار في الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لا عبء على الموازنة.
خاتمة: مطالب عملية عاجلة للحكومة
انطلاقًا من هذا الواقع، فإن المطلوب الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجتها عبر خطوات واضحة، وفي مقدمتها:
إعادة النظر في تسعير فواتير الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، المحروقات، والاتصالات) بما يراعي دخل المواطن ويمنع إرهاق الأسر.
إطلاق برنامج وطني لدعم صغار التجار يشمل تخفيف الرسوم والضرائب، وتسهيل التمويل الميسّر، وحماية السوق من المنافسة غير العادلة.
معالجة ملف القروض بشكل شامل، خصوصًا قروض السيارات والقروض الاستهلاكية، عبر إعادة جدولة منصفة وضبط أسعار الفائدة.
دعم المزارعين كأولوية وطنية من خلال تأمين المياه للري، ودعم تسويق المنتجات وتجويدها وتغليفها، وفتح قنوات بيع عادلة.
مواءمة السياسات الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية، بحيث يكون الإنسان محور القرار، وتُقاس السياسات بأثرها على حياة الناس لا بالأرقام فقط.
«ارحمونا» ليست شعارًا شعبويًا، بل نداء وطني صادق، وتحذير مبكر من اختلالات إن استمرت، ستُنتج أزمة اجتماعية أعمق يصعب احتواؤها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى