هزيمة الفلسفة هي هزيمة العقل

القس سامر عازر
حين يتأمل أحمد بَرقاوي في حال الإنسان المعاصر، يدرك أن الخطر الحقيقي ليس في ضياع الثروة أو السلطة، بل في ضياع العقل ذاته. فهزيمة الفلسفة — كما يقول — ليست سوى الاسم الآخر لهزيمة الإنسان حين يتنازل عن ملكته العليا: التفكير. إذ متى خبا نور الفلسفة في الوجدان الجمعي، انطفأت شرارة السؤال، وارتدّ الإنسان إلى كهف الغريزة، يرضى بما يُقال له، وينصرف عن أن يسأل: لماذا؟ وكيف؟ وإلى أين؟
الفلسفة ليست علماً بارداً يقتصر على النخبة، بل صراعٌ من أجل الحقيقة، وتمرّدٌ نبيل على الجهل والخضوع. هي فعل العقل حين يواجه العالم دون خوف، يبحث عن المعنى في وجه العبث، ويصرّ على أن يكون الإنسان أكثر من كائنٍ يستهلك أو يطيع. الفيلسوف الحقيقي يبحث دوما عن الحقيقة، لا يتكئ على سلطة، ولا يستمد يقينه من أطرٍ جاهزة أو تقليدٍ متوارث، بل من صوت العقل الذي لا يهدأ ولا يساوم.
إن العقل هو مرجع الفيلسوف، كما أن الفلسفة هي مرآة هذا العقل. فحين تضعف إحداهما، تذبل الأخرى. وإذا ما انهزمت الفلسفة، انهزم معها الفكر النقدي، وتراجعت الحرية، وتقدّم الزيف على الحقيقة. عندها يصبح الإنسان أسيرًا لخطابٍ واحدٍ، ولرؤيةٍ مغلقة، ويغدو الصمت بديلاً عن الحوار، والاتباع بديلاً عن الفهم.
الدعوة هي إلى استعادة كرامة العقل في زمنٍ تُهان فيه الأسئلة. فالأمم التي تُقصي الفلسفة من مدارسها وتهمّش التفكير من ثقافتها، تُقصي نفسها عن الحضارة. فحيث تُكرَّم الفلسفة، ينهض الإنسان، وتُزهر الحرية، ويولد الإبداع. أما حيث تُهزم، فهناك تسود الخرافة، ويُختزل الإنسان إلى ظلّ نفسه.
الفلسفة ليست رفاهية فكرية، بل هي مقاومة ضد التبسيط وضد القبول الأعمى. إنها دعوة لأن يفكر الإنسان بعقله، لا بعقل الجماعة، وأن يكون حرًا في نظره إلى ذاته وإلى العالم. لذلك، فحين يَهزم الناس الفلسفة، فإنهم يهزمون عقولهم بأيديهم، ويغلقون باب النور الذي به فقط يمكن للإنسان أن يرى معنى وجوده وغاية حياته ويصنع مستقبله.
ويقول المفكر والفيلسوف أحمد بَرقاوي:
“حين يتوقف العقل عن السؤال، يموت الفيلسوف في داخل الإنسان، ويبدأ زمن الوهم. والفلسفة هي اليقظة الكبرى للعقل، لأنها تذكّره دوماً أنه خُلق ليعرف، لا ليُقاد.”
بهذا القول، يضع برقاوي النقطة الأخيرة في المعادلة التي بدأ بها: فهزيمة الفلسفة ليست خسارة علمٍ من العلوم، بل سقوط العقل الحر، وغياب الإنسان القادر على أن يفكر ويختار ويبدع.
إنها دعوة إلى أن نحيا بالعقل- وهذا برأيي وقناعتي- لا يعني بتاتا التقليل من أهمية القلب والإيمان- مما يدعونا أن نعيد للفلسفة مكانتها في ضمير الحياة، لأنها — في جوهرها — صونٌ لكرامة الفكر، وحراسةٌ للإنسان من الهزيمة الكبرى: هزيمة العقل.


