احمدابودلو –آفاق الاخباريه

 

مدينة أثرية  عريقة، واحدة من كنوز الأردن التاريخية والحضارية تحكي للأجيال مقدمة الأمم التاريخية السابقة التي عاشت على هذه الأرض المباركة وجسدت عبر سنين قرونها السالفة أمجادا عظيمة لأمم أثرت وتأثرت بالحضارات المحيطة حتى غدا الأردن مقاما تاريخيا هاما يجد فيه الدارس     متعه مقدمة البحث والتنقيب و المعرفة.

وأم الجمال في الأصل مدينة نبطية ويعود تاريخها إلى القرن الأول قبل الميلاد، و تكمن أهميتها بموقعها الاستراتيجي آنذاك حيث كانت محطة رئيسية على الطريق الرئيسي الممتد في الجنوب حتى دمشق ولعل التسمية جاءت من هذه المنطقة حيث كانت تشكل محطة رئيسية للقوافل و استراحتها مركزا من مراكز التجارة ويؤكد ذلك الساحات الكثيرة المسورة داخل البلدة القديمة.

   تقع خرائب المدينة على مسافة 12كم إلى الشرق مدينة المفرق وعلى مسافة 6كم إلى الشمال من طريق بغداد وتقوم في طرف السهل الصحراوي وهي واحدة من مجموعة كبيرة من البلدان المبنية من الحجر الناري الأسود والتي تمتد شرقا من داخل حدود جبل الدروز و أكبرها وأهمها بلدة ( بصرى) الشام و تعتبر أم الجمال البلدة الجنوبية القصوى  في هذه المجموعة .

ومن الجائز أن يكون بناءها قد تم في زمن الحارث الثالث البسيط ( 87- 62 ق .م ) وقد تعرضت  المدينة كغيرها من المدن القديمة إلى الغزو الروماني، واطلقو عليها اسم (( ثانيتا )) و أسست لتكون مدينة تجارية تصل إليها القوافل لتأخذ راحتها وتغادرها ويعتقد إنها آخذت اسمها من الجمال التي كانت تحط فيها للراحة. وبنيت المدينة فوق مساحة تبلغ ( 80 ) دونم ويحيط بها سور يتراوح سمكه من متر إلى مترين ، و أقام الأنباط مساكنهم و معابدهم داخل هذا السور و حفروا الآبار وأقاموا  البرك وشيدوا السدود لجمع المياه والدخول للمدينة من خلال فتحة في السور الذي يحيط بالبلدة بسبب أن البوابات التي أنشأت، بواقع بوابتين لكل جهة قد سدتها الحجارة البركانية الضخمة المتساقطة، من ابراج المراقبة والدفاع عن المدينة.

والمدينة رغم الخراب والدمار الذي لحق في أجزائها عبر السنين، ما تزال الأبنية تقف متحدية عوامل الفناء والخراب سواء الأدراج العديدة التي ركبت في الجدران من جانب واحد بدون الارتكاز على أعمدة او مساندة، والجدير بالذكر أن جميع أبنية المدينة كانت قد شيدت بالحجر البازلتي الأسود سواء في مداميك الأب، والإدراج والسقوف وحتى الابواب وكلنا يعلم مدى صلابة هذا الحجر وشدة رعونته بين أيدي العمال، مما يعطينا انطباع عن مدى خبرة وشدة بأس اولئك الناس الذين استطاعوا أن يذللوا هذا النوع من الحجارة.

ويشكلوه كالطين حسب ما يقتضيه نوع البناء الذي يشاءون بناءه بالإضافة إلى زخرفته بالاشكال الفنية والهندسية، والكتابية على انهم لم يتركوه عاريا كما يتراءى لنا الان بل قاموا بقصارته من الداخل والخارج، وذلك بتغطيته بطبقات متوالية من الجبص والملاط، والجبص الناعم الابيض وكطبقة اخيرة طلية بالدهان المختلف آلالوان على ان اللونين الاحمر والخمري كانا اكثر شيوعا على وجه الخصوص وذلك لتمييز المدينة من بعيد، بالاضافة لاستخدام الرسومات الهندسية والنباتية والآدمية والحيوانية والكتابية لتزين الجدران من الداخل والخارج والواجهات العديدة.

ومن اهم المباني البارزة في هذه المدينة حتى الآن بوابة ((كومودوز)) وهي بوابة شمالية تقع الى الشمال الغربي من المدينة.

وتتكون من برجين يجمعهما قوسان، وهناك دار الولاية وتقع بين البوابتين الغربيتين وتتألف من مبنيين ويوجد ايضا، والثكنات العسكرية وتسمى حاليا (الدير) وهناك كذلك والهيكل النبطي وعدة كنائس بنيت ايام استيلاء الرومان عليها في اوائل القرن الثاني بعد الميلاد.

كما تكثر اماكن السكن وخارج السور بنيت القبور وعليها شواهد على بعضها كتابات باللغتين النبطية واليونانية . وهناك ساحات لاستقبال القوافل التجارية ومنازل بنيت حسب الطراز الشرقي المعروف وتضم المدينة عددا كبيرا من الكنائس التي لايزال جزءا كبيرا منها مائلا امامنا مما يدل على ان المدينة كانت مركزا دينيا هاما اضافة الى قصر يتكون من اربعة ادوار ومنازل سكنية التي لا تزال بعضها يرتفع الى ثلاثة ادوار.

وتتبع المدينة نظاما للري كانت من اكثر انجازات سكان المدينة ابداعا اذ قاموا بجمع المياه المتساقطة، في سد اقيم عند طرف المنحدر الشمالي الغربي .

وتوصله في الخزان الرئيسي للمدينة المقطوع من الصخر. والمدينة مرت بالعديد من الفترات التاريخية التي شكلت تاريخ المنطقة منذ القرن الاول قبل الميلاد، وقسم الباحثون تاريخ المدينة الى الفترة النبطية والرومانية والبيزنطية والاموية الايوبية والمملوكية العثمانية وفترة الانتداب البريطاني الفرنسي والفترة الحديثة، وجاء التقسيم حسب ما خلفته كل فترة تاريخية من اثار وبصمات على ارضية هذه المدينة، وهذا يؤكد ان المدينة وبرغم انتقائها في الصحراء كأحدى مدن النية ظلت مأهولة بالسكان على مدى التاريخ وعاشت معها على مر التاريخ اهميتها التجارية والعسكرية والدينية وغيرها. وفي العهود الاسلامية ظلت المدينة على ما هي عليه من ازدهار الا انها لم تشهد أي نهضة عمرانية .

وعبر الازمنة تعرضت المدينة لعوامل التدمير والخراب وخاصة زلزال عام 551م والغزو الفارسي الذي شرد سكانها، وتهديم كنائسها، ونقل الكثير من حجارتها في الفترة الحديثة وخاصة منها المنقوشة والمزخرفة وبيعها والتعمير بها بعد نقلها بعيدا الا انه رغم هذه العوامل ظلت صامدة عصية الفناء تحكي قصة كفاح الانسان الاوروبي من اجل التقدم والرفعة عبر التاريخ.

هذه هي ام الجمال بأثارها التي تبين لنا الحياة الاجتماعية بتفاصيلها من وجوه الرعّاة والصيادين والخدم والعبيد والمزارعين بالاضافة الى تصوير الملابس والحيوانات والحياة البرية من نباتات واشجار كالكرمة والعنب وغيرها ففي الفسيفساء تمثلت اوجه النشاطات المختلفة لمجتمع من المجتمعات بجميع مظاهره من ثقافية ودينية واجتماعية.